أثارت الأنباء عن مقتل سيف الإسلام القذافي في مدينة الزنتان، جنوب غرب العاصمة الليبية طرابلس، عاصفة من الجدل والغموض داخل ليبيا وخارجها، في ظل تضارب الروايات حول تفاصيل الحادثة والجهة المسؤولة عنها. فبين تأكيدات من مقربين منه وإعلانات رسمية عن فتح تحقيق، وبين نفي بعض التشكيلات العسكرية أي صلة لها بالواقعة، يجد الليبيون أنفسهم أمام “اغتيال سياسي ثقيل” يطوي صفحة أحد أكثر الأسماء إثارة للانقسام في بلادهم منذ سقوط نظام والده.

 

وبحسب مصادر إعلامية ليبية وشهادات من دائرته الضيقة، قُتل سيف الإسلام داخل مقر إقامته في الزنتان، بعد أن اقتحم أربعة مسلحين مجهولي الهوية منزله، عطّلوا كاميرات المراقبة، ثم أطلقوا النار عليه من مسافة قريبة، في عملية وُصفت بأنها “اغتيال مدبَّر” أكثر منها حادثًا عرضيًا. وقد أكد مستشاره السياسي عبد الله عثمان ومحاميه هذه الرواية في تصريحات وبيانات متزامنة لوسائل إعلام محلية ودولية.
في المقابل، لم تُظهِر السلطات الليبية بعد صورة متكاملة للحادثة، واكتفت النيابة العامة بالإعلان عن فتح تحقيق، في وقت تنفي فيه بعض الوحدات العسكرية البارزة – وعلى رأسها اللواء 444 – أي علاقة لها بالواقعة، ما يترك الباب مفتوحًا على كل السيناريوهات والفرضيات. 

 

روايات متضاربة وتحقيق رسمي مفتوح

 

بحسب ما نقلته قنوات ليبية وعربية، قال عبد الله عثمان، ممثل سيف الإسلام ومستشاره، إن “أربعة مسلحين اقتحموا مقر إقامة سيف الإسلام في الزنتان بعد تعطيل كاميرات المراقبة، وقاموا باغتياله داخل المنزل”، مشيرًا إلى أن الهجوم كان خاطفًا ومنظمًا، وأن المنفذين تمكنوا من الانسحاب قبل وصول أي دعم أمني.

 

من جهته، أعلن النائب العام الليبي الصديق الصور فتح تحقيق عاجل في الحادثة، مشيرًا في بيان لمكتبه إلى أن فريقًا من المحققين توجه لمعاينة مكان الجريمة واستيفاء المعلومات، وأن الجثمان خضع للفحص الجنائي للتأكد من ملابسات الوفاة ونوع السلاح المستخدم ومسافة الإطلاق. تقارير إعلامية نقلت عن مكتب النائب العام تأكيدًا أوليًا بأن الوفاة نتجت عن إصابات بطلقات نارية، مع التعهّد بملاحقة الجناة “أيًّا كانوا”.

 

في المقابل، سارع اللواء 444 قتال – أحد أبرز التشكيلات العسكرية في الغرب الليبي – إلى إصدار بيان رسمي نفى فيه بشكل قاطع أي علاقة له بمقتل سيف الإسلام، بعد تداول أنباء على مواقع التواصل تتهم عناصر تابعة له بالضلوع في الحادثة أو في اشتباكات سبقت عملية الاغتيال. وأكد البيان أن اللواء ليست له أي قوات منتشرة داخل الزنتان أو في محيطها، وأنه لم يتلقَّ أي أوامر بملاحقته أو استهدافه، في محاولة واضحة لفصل اسمه عن الحدث مبكرًا.

 

تضارب هذه المعطيات – بين رواية المقربين، وصمت حكومي نسبي، ونفي التشكيلات المسلحة – يكرّس حالة الغموض، ويدفع محللين ليبيين للحديث عن “ملف اغتيال شديد الحساسية”، قد تتداخل فيه حسابات داخلية مرتبطة بصراع مراكز القوى، مع حسابات خارجية تتعلق بموقف عواصم إقليمية ودولية من استمرار حضور سيف الإسلام في المشهد الليبي، ولو رمزياً.

 

من وريث محتمل للنظام إلى مُطارَد ومحكوم بالإعدام

 

سيف الإسلام هو الابن الأكثر بروزًا للعقيد الراحل معمر القذافي، حاكم ليبيا السابق، وقد لمع اسمه منذ مطلع الألفية بوصفه “الوجه الإصلاحي” للعائلة الحاكمة: يحمل شهادة عليا من بريطانيا، ويتحدث لغات أجنبية بطلاقة، وقاد مفاوضات مع دول غربية أسهمت في حل ملفات شائكة مثل قضية لوكربي وبرنامج أسلحة الدمار الشامل الليبي.

 

لكن مع اندلاع ثورة 17 فبراير 2011، انقلبت صورته رأسًا على عقب؛ ظهر مرارًا على شاشات التلفزيون مدافعًا بشراسة عن نظام والده، مهاجمًا الثوار ووصفهم بـ“الخونة” و“العملاء”، ومطلقًا تهديدات شهيرة بأن “أنهارًا من الدم ستجري” وأن النظام سيقاتل “حتى آخر رجل وآخر طلقة”. هذا الخطاب، مرفوقًا بالانتهاكات الواسعة التي رافقت قمع الاحتجاجات، جعله هدفًا مباشرًا للملاحقة الدولية.

 

في 19 نوفمبر 2011، أُعلن عن اعتقاله في منطقة صحراوية قرب أوباري جنوب البلاد، قبل أن يُنقل إلى سجن في الزنتان، حيث بقي محتجزًا لسنوات بيد مجموعة محلية، بينما طالبت المحكمة الجنائية الدولية مرارًا بتسليمه لمحاكمته بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، دون استجابة من السلطات الليبية المنقسمة بين شرعية الداخل وضغوط الخارج.

 

عام 2015، أصدرت محكمة في طرابلس حكمًا بالإعدام رميًا بالرصاص بحق تسعة من رموز النظام السابق، من بينهم سيف الإسلام، في قضية ضمت 37 مسؤولاً، لكن الحكم صدر عليه غيابيًا لعدم مثوله أمام المحكمة بسبب وضعه في الزنتان. وبعد ذلك بعام، أعلن محاميه أنه أُفرج عنه بموجب قانون العفو العام، قبل أن تؤكد كتيبة أبو بكر الصديق في 2017 إطلاق سراحه رسميًا.

 

لاحقًا، حاول سيف الإسلام العودة إلى واجهة السياسة الليبية؛ طُرحت مبادرات باسمه لوضع “حل سلمي” للأزمة، ثم أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية المؤجلة عام 2021، قبل أن تُستبعَد أوراقه بسبب الحكم الصادر بحقه وطلب المحكمة الجنائية الدولية، وسط انقسام حاد بين من رأى فيه رمزًا لمرحلة استقرار نسبي قبل 2011، ومن اعتبره وجهًا لجرائم تلك المرحلة لا يمكن القبول بعودته. 

 

زلزال سياسي وأسئلة عن المستفيد من اغتياله

 

مقتل سيف الإسلام القذافي، في التوقيت والسياق الحاليين، يتجاوز كونه حادثة جنائية؛ فهو يُسقِط من المشهد أحد أكثر الرموز المثيرة للانقسام، والذي ظل حضوره – حتى من وراء الكواليس – عامل إرباك دائم لكل محاولات ترتيب المشهد الليبي، سواء لجهة الانتخابات أو لإعادة توزيع النفوذ بين الشرق والغرب. بالفعل، تحدثت تحليلات مبكرة عن أن غيابه قد يزيل “عقدة كبيرة” أمام بعض القوى التي كانت تخشى من عودته إلى السباق على السلطة، أو من قدرته على توحيد جزء من القواعد الشعبية والقبلية حول شعار “الشرعية السابقة”.

 

من زاوية أخرى، يرى مراقبون أن الاغتيال قد يفجّر توترات داخل معسكرات موالية للنظام السابق، التي كانت تراهن على سيف الإسلام كواجهة سياسية محتملة في أي تسوية قادمة، وأن بعض هذه المجموعات قد تلجأ إلى التصعيد أو الانتقام إذا شعرت أن أطرافًا بعينها – داخلية أو خارجية – كانت وراء قرار التخلص منه.

 

في كل الأحوال، يضيف مقتله طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد ليبي أصلاً ممزق بين حكومتين متصارعتين، وميليشيات متنافِسة، وتدخلات إقليمية ودولية متشابكة. ومع أن فتح التحقيق من جانب النائب العام خطوة ضرورية، فإن التجارب السابقة لا تشجع على توقع كشف سريع وشفاف لكل الملابسات.

 

حتى الآن، تبقى الأسئلة أكثر من الإجابات: من خطط؟ من نفذ؟ ومن المستفيد الأكبر من إسكات صوت كان يثير خوف البعض وأمل البعض الآخر؟ ما يبدو شبه مؤكد هو أن اغتيال سيف الإسلام القذافي لن يكون مجرد سطر في نشرة الأخبار، بل حدثًا ستتردد أصداؤه طويلًا في مسار الصراع على مستقبل ليبيا، بين من يريد طيّ صفحة القذافي بالكامل، ومن يصرّ على إبقائها مفتوحة ولو عبر دم جديد.