دعا  الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، الأحد، إلى تيسير الزواج وعودته لصورته البسيطة التي حث عليها الإسلام، قائلاً: إذا كنا ننادي اليوم بضرورة تجديد الخطاب الديني فإن أول خطاب يجب البدء بتجديده وإعادة إنتاجه هو هذا الموضوع، 

 

واستنكر الطيب خلال مؤتمر: "استثمار الخطاب الديني والإعلامي وأثره على حماية وتعزيز حقوق المرأة في دول منظمة التعاون الإسلامي"، ظاهرة: "المغالاة في المهور"، التي صمت العلماء صمتا مريبا عنها وعن ترسخها في عادات الناس.

 

وأضاف: "وكان واجب العلماء والدعاة أن يتصدوا لمقاومة هذه الظاهرة، وأن يضربوا الأمثال للناس بأنفسهم وأولادهم وبناتهم، لتشجيعهم على التخلص من هذه الظاهرة التي جعلت من "الزواج" أمرًا عسيرًا بالغ الصعوبة.

 

وأوضح الطيب أن الشريعة الإسلامية جاءت بنصوص شرعية صريحة دعت إلى يُسر المهور، وإلى الاكتفاء فيها بأيسر الأشياء وأقلها ثمنا، ذلكم أن فلسفة الإسلام في قضية المهر تتلخص في أنه "رمز" للتعبير عن الرغبة القلبية الصادقة في الارتباط بالزوجة، وليس مظهرًا من مظاهر السفه أو البذخ والمباهاة.

 

 

وحذر مما يستتبع كل ذلك من تكاليف ومغارم تضطر الأسر البسيطة إلى الاقتراض والاستدانة ومعاناة هموم وآلام نفسية قد تصاحبها طويلاً، وتقض مضجعها ليلا ونهارًا، لافتًا إلى أن نبي الإسلام ﷺ نزل في مقدار "المهر" وتيسيره إلى مستوى خاتم من حديد، بل اكتفى فيه بأن يحفظ الزوج زوجته سورة من سور القرآن، 

 

وقال الطيب إن الرغبة القلبية، أو "الحب" الذي يجمع بين قلبين متحابين هو عاطفة نبيلة مقدسة، دونها أموال الدنيا بأسرها، وإذن فليكف فيها ما يشير إلى هذه العلاقة ولو من بعيد.

 

موقف عمر والمرأة 

 

واستشهد الطيب بموقف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- للتحذير من المغالاة، حيث عزم أمير المؤمنين على سن قانون يحدد المهور عند مستوى يستطيعه عامة الناس، ومهد لذلك بخطبة قال فيها: "ألا لا تُغالُوا في المهور؛ فإنَّها لو كانت مكرمةً في الدُّنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رَسُولُ الله ﷺ!؛ ما أصدق امرأة قطُّ من نسائِه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فمَن زاد منكم على "أربعمائةٍ" شيئًا جَعلتُ الزيادة في بيت المال".

 

غير أن عمر لم يلبث أن تراجع عن المضي في تنفيذ فكرته هذه، حين وقفت له امرأة قرشية تقول: "ليس ذلك إليك يا عمر. فقال: ولِمَ؟ قالت: لأنَّ الله تعالى يقول في سورة النساء: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا}"، فما كان من عُمر إلَّا أنْ قالَ: "اللهُمَّ عفوًا!" أخطأ عُمر وأصابت امرأة.

 

وبين شيخ الأزهر أن الآية الكريمة لا تدعو إلى زيادة المهور أو الغلو في قيمتها، ولكنها من باب التشديد على أن "المهر" حق خالص للزوجة، لا يجوز للزوج أن يأخذ منه لا قليلاً ولا كثيرًا، حتى لو كان ما دفعه مهرًا لزوجته "قنطارًا من ذهب"، فهي على سبيل المبالغة في تحذير الزوج من أن تمتد يده إلى مهر الزوجة. 

 

ظاهرة العنوسة والعزوبة

 

وحذر شيخ الأزهر من أنه قد ترتب على ظاهرة المهور الغالية ظاهرة أخرى، هي: ظاهرة العنوسة وظاهرة العزوبة التي يعاني الشباب -بسببها-، ضغوطا نفسية لا يستهان بها من أجل أن يحتفظ بطهره وعفافه وطاعة أوامر ربه.

 

واستطرد قائلاً: "وليس من شك في أنه لا حل -والوضع كذلك- إلا تيسير الزواج وعودته لصورته البسيطة التي حث عليها الإسلام، وإذا كنا ننادي اليوم بضرورة تجديد الخطاب الديني فإن أول خطاب يجب البدء بتجديده وإعادة إنتاجه هو هذا الموضوع".

 

وخلال المؤتمر الذي يعقده الأزهر الشريف بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة ومنظمة تنمية المرأة (WDO)، أبرز الطيب كيف أن  "شريعة الإسلام" حررت المرأة المسلمة من أغلال وقيود كبلتها بها ثقافات جاهلية، عاصرت ظهور الإسلام، وكان في مقدمتها: حضارة اليونان وفلسفتها الممثلة في قطبيها الكبيرين: أفلاطون وأرسطو، وكذلك شريعة الرومان وعقائد الهند، وكتب مقدسة حملت المرأة وحدها مسئولية الخطيئة الأولى، ثم جاهلية العرب التي صادرت على المرأة حق الحياة، وحق التعلم، وحق التملك، وحق الميراث، إلى آخر تلك الحقوق.

 

وقال: في هذا الجو المهين للمرأة ظهر الإسلام وكان له في شأنها كلمة تاريخية  حاسمة، ولو أنه صمت في تلكم الأثناء عن مظالم المرأة وهضم حقوقها ما توجه إليه عتب ولا لوم، فقد كانت الدنيا بأسرها ضد المرأة، وضد كرامتها الإنسانية.

 

وأضاف الطيب أن نبي الإسلام ﷺ ما لبث أن صدع في الناس بما يصدم وعيهم ويقلب نظامهم الاجتماعي رأسا على عقب حين تلا عليهم آيات قرآنية تبين مكانة المرأة في الإسلام، وحقوقها وواجبات المجتمع تجاهها، ونادى في أصقاع العرب في حواضرها وبواديها، وأعلن أن: «النساء شقائق الرجال»، وكان من أواخر كلماته وهو يودع حياته الشريفة: "...اتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ". ثم أوقف -وإلى الأبد- وأد البنات، وملك المرأة حقوقا لم تعرفها من قبل، وسبقت بها نظيراتها في العالم بأربعة عشر قرنا من الزمان: ملكها حق الإرث، وحق التعليم، وحق اختيار الزوج، وجعل لها ذمة مالية مستقلة عن زوجها، وساوى بينها وبين الرجل في التكاليف وفي تحمل المسئولية.

 

المساواة  بين الرجل والمرأة في حق الانفصال

 

وأشار إلى أن الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة في حق الفرقة والانفصال، فأعطى الزوج حق الطلاق وأعطى الزوجة حق الخلع. إلا "أنه وعلى الرغم من امتلاك أمتنا هذه الكنوز الكافلة لرقي المرأة وتأهيلها لتحمل مسؤولياتها، إلا أن وضع المرأة لا يزال وضعًا غريبًا على فلسفة الإسلام وروح تشريعاته المستمدة من القرآن والسنة المطهرة".

 

في المقابل، أوضح الطيب أنه حدث في بعض محطات معينة من مسيرة فقه المرأة ما يشبه السير في الاتجاه المعاكس أو المقابل لاتجاه نصوص الشريعة، وذلك حين طغى على أفهام البعض وعلى ممارساتهم منطق العادات والتقاليد والعرف المتوارث، وتغلب على هدي "التشريعات" القرآنية والنبوية الواردة في إنصاف المرأة وتمكينها من حقوقها". 

 

وأضاف: "وقد نتج عن هذا الوضع المعكوس ثقافة شعبية صادرت كثيرًا من حقوق المرأة الشرعية، وجعلت من المرأة المسلمة أنموذجا للضعف والانزواء بين الجدران، واعتياد المظالم والصبر عليها، وذلك في الوقت الذي استطاعت فيه زميلتها في الغرب والشرق أن تكسر كل هذه القيود".

 

وأكد الطيب أنه "لا ينظر إلى المرأة الغربية -اليوم- بحسبانها أنموذجا أمثل ندعو المرأة المسلمة لاستلهامه أو تقليده أو اتخاذه مثالا يحتذى به في نهضتها المعاصرة، ذلكم أن المرأة المسلمة إن فعلت ذلك فإنها ستكون في أفضل أحوالها كالمستجير من الرمضاء بالنار". 

 

واستدرك: "ولكن أردت أن أبين المفارقة بين المرأة المسلمة التي تعاني التشوش والاضطراب فيما تأتي وما تدع، رغم امتلاكها لشريعة إلهية تضمن لها حقوقها في أن تكون عنصرا بناء في كيان المجتمعات المعاصرة، وبين المرأة الغربية التي استطاعت أن تتخلص من عوائقها رغم افتقادها لهذا النور الذي تمتلكه أختها المسلمة".