في الوقت الذي يبحث فيه ملايين المصريين عن شقة متوسطة أو حتى غرفة إيجار بسعر محتمل، خرج رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى ليحسم – من وجهة نظره – الجدل حول مستقبل أسعار العقارات في مصر: "الأسعار لن تنخفض"، مؤكّدًا أن ما يُقال عن هبوط وركود في السوق "لا أساس له من الصحة"، وأن مجموعته حققت في يناير 2026 مبيعات تجاوزت 13 مليار جنيه، بل سجلت مليار جنيه مبيعات في يوم واحد، مع نفاد مشروع فاخر في شرم الشيخ خلال 24 ساعة فقط.

 

هذه الصورة المبهرة على شاشة برنامج «الحكاية» مع عمرو أديب، تصطدم بواقع اجتماعي قاسٍ: ملايين خارج القدرة الشرائية، سوق متركّز في العقار الفاخر، وخبراء يحذرون من تحوّل السكن إلى سلعة مغلقة على شريحة محدودة، بينما تُدفع بقية المجتمع دفعًا إلى الهامش.

 

https://x.com/ElkhateebRania/status/2017728120527130784

 

هشام طلعت: سوق قوي، مبيعات قياسية.. وأسعار "غير قابلة للانخفاض"

 

في مداخلاته المتتابعة مع القنوات الاقتصادية والمواقع المتخصصة، كرّر هشام طلعت مصطفى المعادلة نفسها: التسعير = تكلفة أرض + تكلفة إنشاءات + تضخم في مواد البناء، مع هوامش ربح "محدودة"، وبالتالي – من وجهة نظره – لا مجال لانخفاض الأسعار الآن ولا مستقبلاً القريب.

 

يقدم الرجل أرقامًا ضخمة لتدعيم روايته:

 

•  مبيعات مجموعته في يناير 2026 تجاوزت 13 مليار جنيه في شهر واحد.

 

•  مشروع جديد في شرم الشيخ نفدت وحداته خلال 24 ساعة بنهاية ديسمبر.

 

ويستند أيضًا إلى "خصوصية" السوق المصري؛ فالعقار – كما يقول – لم ينخفض سعره تاريخيًا، والطلب السنوي – بحسب تقديراته – لا يقل عن نحو 800 ألف إلى مليون وحدة سكنية خلال العقود القادمة، ما يعني أن "الطابور أمام المطورين لن ينتهي"، وبالتالي: لماذا تنخفض الأسعار؟

 

لكن أخطر ما في الخطاب ليس الدفاع عن هوامش الربح، بل الجملة التي عبّر فيها عمليًا عن انفصال رؤيته عن موجة التصحيحات العقارية عالميًا، حين قال في مداخلة أخرى: "أنا ماليش دعوة باللي بيحصل في العالم" – في وقت تشهد فيه أسواق كبرى، مثل دبي، تحذيرات رسمية من احتمالات تصحيح هبوطي للأسعار مع زيادة المعروض.

 

تكلفة حقيقية أم فقاعة اجتماعية؟ خبراء عقار يردّون

 

لا أحد ينكر أن تكاليف البناء في مصر قفزت بفعل التضخم وانخفاض قيمة الجنيه، لكن عدّة خبراء عقاريين يرون أن ما يحدث اليوم ليس مجرد "انعكاس تلقائي للتكلفة"، بل تحوّل هيكلي في وظيفة العقار: من حق للسكن إلى أداة ادخار ومضاربة.

 

الخبير العقاري د. عبد الحميد الوزير، رئيس مجلس إدارة شركة "أرابيسك" للتطوير العقاري، يؤكد أن السوق "يحتاج إلى إعادة تنظيم ورقمنة كاملة لضبط التسعير ووقف حالة الانفلات"، مشيرًا إلى أن شريحة واسعة من المصريين أصبحت خارج المعادلة السكنية في المشروعات الجديدة، رغم الحديث المتكرر عن الطلب القوي.

 

الخبير العقاري طارق عيد، عضو غرفة التطوير العقاري، كان أكثر مباشرة حين قال إن إعادة النظر في أسعار الوحدات باتت ضرورة، محذرًا من أن استمرار الزيادات في ظل دخول حقيقي متآكل "سيؤدي إلى سوق بلا مشترٍ حقيقي إلا لفئة محدودة جدًا"، ومشيرًا إلى أن المطورين اعتادوا تحميل كل موجات التضخم على المستهلك النهائي دون تطوير جدي في نماذج التمويل أو منتج الوحدات ذات السعر المناسب.

 

أما الخبير العقاري عبد المجيد جادو فيربط ارتفاع الأسعار في السنوات الأخيرة بتداخل عدة عوامل: تضخم عام، ارتفاع تكاليف البناء، ومحدودية المعروض في مناطق بعينها، لكنه يلفت إلى أن السوق بدأ فعلاً يشهد تباطؤًا في وتيرة الارتفاع مع زيادة المعروض واتساع فجوة القدرة الشرائية، وهو ما يراه "تصحيحًا طبيعيًا"، لا يعني بالضرورة أن الأسعار لن تهبط في بعض الشرائح إذا استمر اختلال التوازن بين العرض والطلب الحقيقي على السكن، لا على الاستثمار.

 

ومن زاوية أخرى، يذكّر د. ماجد عبد العظيم، الخبير العقاري، بأن العقار ظل لعقود "مخزنًا للقيمة" ووجهة لأموال المدخرين، خاصة مع انخفاض الفائدة أو فقدان الثقة في الجنيه، لكنّه يحذّر في الوقت نفسه من أن الاعتماد على هذا المنطق وحده – دون توسع موازٍ في الإسكان المتوسط والمنخفض – يعني أن السوق يخدم من يملك فوائض مالية كبيرة، ولا يخدم من يبحث عن "مسكن حياة" لأولاد، لا عن "ملاذ استثماري".

 

سوق فاخر يزدهر… وملايين خارج القدرة على السكن

 

النتيجة على الأرض واضحة: مشاريع فاخرة تُباع بالمليارات خلال أيام، في حين تتزايد شكاوى الأسر من عجزها عن شراء شقة متواضعة أو حتى تأمين مقدم بسيط، مع قفزات متواصلة في الأسعار. تقارير اقتصادية حديثة تشير إلى أن أكبر 10 شركات تطوير عقاري في مصر حققت مبيعات تتجاوز تريليون جنيه في 9 أشهر، مع توقع وصول مبيعات السوق إلى نحو 2.5 تريليون جنيه بنهاية العام الماضي، مدفوعة باعتبار العقار "مخزونًا للقيمة" في مواجهة انهيار الجنيه.

 

هذا الزخم لا يعكس – بالضرورة – صحة اجتماعية؛ فالسوق الحالي أشبه بـ"دولة داخل الدولة":

 

•  طبقة ضيقة قادرة على الشراء في العاصمة الإدارية، والساحل، وشرم الشيخ، بملايين الجنيهات للوحدة.

 

•  أغلبية ساحقة تسكن بالإيجار أو في مساكن عشوائية ومناطق غير مخططة، وتكتشف يومًا بعد يوم أن حلم التمليك يبتعد أكثر.

 

حين يخرج مطوّر ضخم ويقول بثقة: "أسعار العقارات لن تنخفض" و"العقار عمره ما نزل" و"أنا ماليش دعوة باللي بيحصل في العالم"، فهو عمليًّا يبعث برسالة مزدوجة:

 

•  للمستثمرين: استمروا في شراء الوحدات الفاخرة، فالأسعار لن تُصحَّح هبوطًا.

 

•  وللمواطن العادي: إذا لم تلحق بالقطار الآن، فلن تلحق أبدًا.

 

لكن السؤال الأخطر الذي يطرحه كثير من الخبراء: أي سوق هذا الذي يُقاس نجاحه بعدد المليارات المحققة في شريحة محدودة، بينما تتحول غالبية الناس إلى "لاجئين سكنيًا" داخل بلدهم؟

 

إذا استمر تسعير العقار بمنطق "من يستطيع يدفع ومن لا يستطيع فليذهب لحاله"، وإذا ظل الخطاب الرسمي يكرر أن الأسعار "لا يمكن أن تنخفض" مهما حدث في العالم، فإن ما يتشكل في مصر ليس مجرد سوق عقارية نشطة، بل نظام إسكان طبقي مغلق، يكرس الفجوة بين مجتمع يعيش في أبراج ومدن مسوّرة، ومجتمع آخر محشور في الهامش، يدفع ثمن كل قرار نقدي وكل موجة تضخم، دون أن يجد لنفسه مكانًا في خريطة السكن، مهما تعددت إعلانات "مدينة الأحلام" على الشاشات.