رغم أن كرة القدم في مصر تبتلع ميزانيات خيالية، وأن ما يُنفق عليها – من عقود لاعبين، ورعاية، وبث – يفوق كرة اليد بما لا يقل عن عشرة أضعاف، فإن الواقع يقول إن منتخب اليد هو الذي يرفع اسم مصر عالميًا، لا منتخب الكرة. في اليد، مصر بطل إفريقيا المتوّج للمرة العاشرة في تاريخها، والرابعة على التوالي، لتتسيّد القارة بلا منازع وتُكرَّس كأحد أقوى منتخبات العالم.

 

وفي المقابل، يتأرجح منتخب كرة القدم ما بين المركزين الرابع والخامس إفريقيًا في الأداء الفعلي، رغم تحسّن تصنيفه إلى المركز 31 عالميًا والثالث قارّيًا في تصنيف فيفا بعد حصوله على المركز الرابع في كأس أمم إفريقيا الأخيرة.

 

السؤال البديهي: كيف ينجح اتحاد فقير نسبيًا مثل اتحاد اليد في صناعة منتخب ضمن النخبة العالمية، بينما تفشل منظومة كرة القدم الأكثر ثراءً وجماهيرية في الحفاظ حتى على مكانة مصر التاريخية في القارة؟

 

كرة اليد: هرم مواهب حقيقي وتصدير مُنظَّم للاعبين

 

كرة اليد في مصر ليست مجرد جيل ذهبى عابر، بل مشروع مستمر بدأ منذ التسعينيات، وبلغ قمته في مونديال 2001 حين حقق المنتخب المركز الرابع عالميًا، وهو أفضل إنجاز في تاريخ منتخب إفريقي أو عربي في البطولة. ثم عاد المنتخب في نسخ 2021 و2023 و2025 ليحجز مكانًا ثابتًا بين الثمانية الكبار، مع أداء ندّي أمام عمالقة أوروبا، ونتائج مميزة في الأولمبياد (مركز رابع في طوكيو).

 

السرّ الأول هنا هو جودة التكوين. قاعدة الناشئين في اليد تُدار – نسبيًا – بمعايير فنية واضحة: طول، قوة بدنية، ذكاء تكتيكي، وانضباط، مع منظومة مدارس وأندية (أهلي، زمالك، هيليوبوليس، الجزيرة) تعمل على تخريج لاعبين جاهزين للمنافسة الدولية.

 

السر الثاني هو تشجيع الاحتراف الخارجي لا خنقه. أبرز نجوم المنتخب يلعبون في أقوى أندية أوروبا: يحيى عمر في باريس سان جيرمان بعد تجربة مبهرة مع فيزبريم، وعلي زين ربح ألقابًا كبرى مع برشلونة ثم انتقل إلى دينامو بوخارست ولاحقًا فيزبريم، وأحمد هشام في فيزبريم، ويحيى الدرع في ONE Veszprém، وغيرهم من المحترفين في فرنسا والمجر ورومانيا.

 

هؤلاء لا يُنظر إليهم كـ«خسارة للدوري»، بل كاستثمار طويل الأجل لصالح المنتخب: يلعبون في أعلى مستوى، يواجهون أفضل لاعبي العالم كل أسبوع، ثم يعودون للمنتخب بخبرة ذهنية وتكتيكية مختلفة تمامًا عما يتكوّن في الدوري المحلي.

 

السر الثالث هو استقرار الفكر الفني. اتحاد اليد اختار طريق المدرب الأجنبي المتخصص (مثل خوان كارلوس باستور حاليًا)، مع احترام لمدرسة واضحة في الدفاع والهجوم السريع، وعدم الانجرار وراء ضغوط إعلامية لتغيير المدربين كل بطولة. هذا الاستقرار جعل طريقة لعب مصر في اليد «هوية» معروفة: دفاع صلب، انتقالات سريعة، نجوم عالميون في الخط الخلفي والأطراف، وحارس مرمى من طراز رفيع في كل جيل.

 

كرة القدم: أموال طاغية وناشئون يشترون الطريق بدل أن يستحقوه

 

في كرة القدم، الصورة معكوسة تقريبًا. ميزانيات ضخمة، عقود بالملايين، صفقات أجنبية بالجملة، لكن «المنتَج النهائي» – أي اللاعب المصري – يتراجع فنيًا وبدنيًا وعقليًا.

 

المشكلة تبدأ من الناشئين؛ حيث تتحول الأكاديميات وفرق المراحل السنية في أندية القمة إلى ساحة اختلاط بين الموهبة والواسطة والمال. لم يعد معيار الدخول قطاع ناشئين في الأهلي أو الزمالك هو الموهبة الصرفة كما كان في أجيال السابقين، بل قدرته على الدفع: اشتراكات، هدايا، أو علاقات.

 

الكابتن جمال عبد الحميد، نجم الأهلي والزمالك السابق، صدم الجماهير في أحد برامجه التلفزيونية حين قال بوضوح إننا مقبلون على زمن «لن يكون فيه لاعيبة كرة في مصر»، لأن منظومة التكوين أصبحت عشوائية، والاختيار لا يعتمد على معيار علمي حقيقي، بل على مزيج من العشوائية والمصالح. كلامه يلتقي مع شكاوى لا تنتهي من أولياء أمور ولاعبين صغار عن «ظلم المواهب» لصالح من يدفع أكثر أو من له صلة بمدرب أو إداري.


 

النتيجة الطبيعية لهذه المنظومة أن عدد المواهب الحقيقية المتدفقة إلى الفريق الأول قليل جدًا مقارنة بحجم ما يُنفق على كرة القدم. أندية الدوري تفضّل الحل السهل: استيراد لاعب أجنبي متوسط، أو شراء لاعب جاهز من نادٍ أصغر بمبالغ مضخّمة، بدل الاستثمار الحقيقي في قاعدة الناشئين.

 

وعلى مستوى المنتخب، تدفع مصر ثمن هذه الفلسفة: لاعبون يصلون للفريق الأول وهم غير مكتملين بدنيًا أو تكتيكيًا، مع إيقاع بطيء، وثقافة احتراف ضعيفة، وتركيز أكبر على «الترند» والعقود الإعلانية من التركيز على تطوير الذات. النتيجة: منتخب لا يستطيع ترجمة تاريخه وسبعة ألقاب قارية إلى زعامة حالية، ويبدو في كثير من الأحيان أقل حيوية من منتخبات أقل تاريخًا، لكنها أكثر تنظيمًا في التكوين.

 

الدرس من اليد: فلسفة تكوين اللاعب أهم من حجم الشيك

 

حين نقارن بين اليد والقدم في مصر، يتضح أن الفارق ليس في مقدار الإنفاق، بل في فلسفة بناء اللاعب. في اليد، هناك سلم واضح: مدارس – ناشئين – شباب – محترفون في أوروبا – منتخب قوي. في كل مرحلة، معيار الاستمرار هو الجودة، لا الاسم ولا الرصيد البنكي.

 

في القدم، السلم مقلوب: أندية كبرى تبحث عن بطولة سريعة تُسكِت الجمهور، فتُغرق الفريق في صفقات عالية التكلفة، بينما يُهمل الأساس: الملاعب الجيدة للناشئين، الكشافون الحقيقيون، المدربون المؤهلون علميًا، ومحاربة ثقافة «الفلوس هي اللي تلاعب».

 

مصر لم تصبح رقم 1 إفريقيًا في اليد وصاحبة أفضل إنجاز عالمي للقارة (مركز رابع في مونديال 2001) بالصدفة، بل بسياسة طويلة الأمد في اكتشاف المواهب وتصديرها ثم استعادتها في قميص المنتخب. ولو طبقت كرة القدم نصف الانضباط الموجود في منظومة اليد – شفافية في اختيار الناشئين، تشجيع حقيقي على الاحتراف المبكر في أوروبا، تقليل نفوذ السماسرة في الناشئين، واستقرار فني في المنتخب – لتغير شكل المنتخب كليًا خلال عشر سنوات.

 

الخلاصة أن اليد أثبتت أن مصر بلد مواهب حين تُفتح لها الأبواب الصحيحة، وأن أزمة كرة القدم ليست في غياب الفلوس، بل في أن المال أصبح أحيانًا حاجزًا أمام الموهبة لا جسرًا لها. ما لم تُكسر هذه المعادلة، ستظل مصر دولة عظمى في كرة اليد… ومتوسطة – أو أقل – في اللعبة التي تُسمى «الشعبية الأولى».