في كلمته داخل الأكاديمية العسكرية، حاول قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي طمأنة المصريين بالحديث عن “استقرار” وتحسن في الأوضاع الاقتصادية، وتوافر السلع الأساسية قبيل شهر رمضان، مشيدًا بجهود الدولة في مواجهة الأزمات وتعزيز الاستثمار.

لكن ما تقوله أرقام التضخم، وما يرصده خبراء الاقتصاد، وما يعيشه المواطن في السوق والشارع، يكشف تناقضًا صارخًا بين خطاب السلطة وواقع المصريين الذين يدفعون ثمن سياسات اقتصادية مرهقة جعلت الغلاء هو العنوان اليومي للحياة.

 

تضخم يتباطأ على الورق.. لكن الأسعار لا تعود إلى الوراء

 

صحيح أن البيانات الرسمية تشير إلى تراجع معدل التضخم السنوي من مستويات مرتفعة جدًا إلى أرقام أقل، لكن هذه “البشرى” التي يتباهى بها السيسي لا تعني ببساطة أن الأسعار انخفضت أو أن الناس بدأت تتنفس.

 

الأرقام تقول إن التضخم السنوي في ديسمبر 2025 تراجع إلى نحو 10.3% بعد أن كان حوالي 23.4% في ديسمبر 2024.

وهذا يعني شيئًا واحدًا: أن وتيرة الزيادة في الأسعار تباطأت، لكن الأسعار نفسها ما زالت أعلى بكثير مما كانت عليه قبل عام أو عامين.

أي أسرة مصرية تعرف هذه الحقيقة من دون الرجوع لأي جهاز إحصاء: ما ارتفع سعره لا يعود إلى ما كان عليه.

 

خلال عام 2025 ظل التضخم في عدة أشهر داخل خانة 12–14%، مع قفزات واضحة في أسعار السلع الغذائية والاحتياجات الأساسية، خاصة قبل وخلال شهر رمضان، وهو ما جعل أي حديث عن “استقرار” يبدو كنوع من الاستفزاز لملايين الأسر التي باتت تعيد حساباتها في أبسط الأمور: كيلو اللحمة، زجاجة الزيت، علبة الدواء، فاتورة الكهرباء والمواصلات.

 

بمعنى أوضح: النظام يحتفل بأن السيارة لم تعد تسرع بـ 200 كم في الساعة بل “اكتفت” بـ 100 كم، بينما الركاب ما زالوا يُقذفون في الحائط، بعد سنوات من الارتفاع الجنوني للأسعار وسلسلة تعويمات للجنيه أكلت قيمة الدخول والمدخرات.

 

خبراء الاقتصاد: خطاب سياسي مزوَّق.. وحقيقة “التحسن” لا تصل لجيب المواطن

 

خبراء الاقتصاد أنفسهم، الذين يتابعون المؤشرات بعيدًا عن لغة التطبيل، يؤكدون أن ما يجري هو تحسن نسبي في بعض الأرقام الكلية، لكن من دون انعكاس حقيقي على حياة الناس.

 

الدكتورة علياء المهدي – أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة – تنبّه إلى نقطة جوهرية: النمو الاقتصادي أو تحسن بعض المؤشرات المالية لا يعني تلقائيًا تحسن مستوى المعيشة، إذا لم تُترجم هذه الأرقام إلى زيادة فعلية في دخول المواطنين وقدرتهم على شراء السلع والخدمات الأساسية.

ما فائدة أن تتحدث الحكومة عن “مشروعات قومية” واستثمارات بمليارات، بينما أغلبية العاملين عالقون في وظائف منخفضة الأجر والهشاشة، لا تكفي رواتبهم لتغطية منتصف الشهر؟

 

هي تشير بوضوح إلى أن الحل ليس في ترديد شعارات عن الاستثمار الأجنبي أو المؤتمرات الاقتصادية، بل في تعميق الإنتاج المحلي، ورفع جودة وسعر الأجر في السوق، وتحسين بيئة العمل للطبقة العاملة والموظفين، حتى يتحول “التحسن” من رقم في بيان رسمي إلى فرق ملموس في قدرة الأسرة على مواجهة الغلاء.

 

أما الخبير الاقتصادي بهاء زينة فيلفت إلى أن قرارات الحكومة نفسها – وعلى رأسها رفع أسعار الوقود – هي من أعادت إشعال التضخم داخل نطاق 10–15%، لأن الوقود يدخل في تكلفة نقل وإنتاج كل شيء تقريبًا.

ومع غياب سياسات جادة لخفض التضخم أو حماية الفئات الأضعف، تتحول هذه القرارات إلى ضربة مباشرة لقدرة الأسر، خصوصًا المتوسطة والفقيرة، على الصمود أمام تكاليف المعيشة.

 

بكلمات أخرى: السيسي يتحدث عن “تحسن” بينما سياساته المالية والضريبية ورفع الدعم الجزئي تسحب من تحت المواطن كل ما تبقى له من قدرة على الاحتمال.

 

ما بين الأكاديمية العسكرية والسوق: روايتان لبلد واحد

 

في الأكاديمية العسكرية، يجلس السيسي أمام ضباط وشباب مُنتقين، يتحدث بثقة عن استقرار اقتصادي، وسلع متوفرة قبل رمضان، واستثمارات “تتدفق”، ويشيد بجهود الدولة في مواجهة “الظروف العالمية”.

 

في السوق، يقف المواطن أمام الرفوف، يحذف صنفًا بعد آخر من قائمة مشترواته، ويحسب كل جنيه قبل إنفاقه، ويعرف أن “توفر السلع” لا يعني شيئًا إذا كان لا يملك ثمنها.

 

ما يتجاهله خطاب السيسي أن الأزمة ليست مجرد نقص في السلع، بل اختناق في القدرة الشرائية.

الدولة تستطيع ملء الأسواق بأكياس الأرز وزجاجات الزيت، لكنها لا تستطيع أن تُجبر الجنيه المنهك في يد المواطن على أن يشتري ما كان يشتريه قبل سنوات.

 

العائلات التي أخرجت اللحوم من نظامها الغذائي، وخفّضت استهلاكها من الخضروات والفاكهة، واستغنت عن كثير من الخدمات الأساسية، هي الشاهد الحقيقي على زيف حديث “الاستقرار”.

المعلم الذي يعمل في وظيفتين، والطبيب الذي يفكر في الهجرة، والموظف الذي يطارد قروضًا وبطاقات ائتمان لسد فجوة ما بين الراتب والأسعار، كل هؤلاء يعرفون أن ما جرى ليس “إنقاذًا للاقتصاد” بل تسليم حاضره ومستقبله للديون وسياسات الجباية.

 

التضخم الذي “تراجع” ما زال فوق طاقة الناس، والغلاء الذي حاول السيسي تجميله لا يزال يأكل ما تبقّى من الطبقة الوسطى ويدفع بملايين إلى حافة الفقر.

وبينما تواصل السلطة إنكارها واحتفاءها بأرقام منزوعة السياق، يبقى الواقع الأصدق من كل الخطابات: بلد يعيش أزمة معيشية خانقة، وحاكم يصر على إنكارها لأنه المسؤول الأول عن السياسات التي فجّرتها.