أعلنت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي وصول مساحة القمح المزروعة في الموسم الحالي إلى نحو ٣,٧٦٣ مليون فدان، متجاوزة المستهدف الرسمي البالغ ٣,٥ مليون فدان، وبزيادة تُقدَّر بـ٦٠٠ ألف فدان عن الموسم الماضي، في مشهد تحاول السلطة تقديمه كـ"انتصار" في معركة الأمن الغذائي. تُرفَق هذه الأرقام بخطاب حكومي يتحدث عن رفع سعر توريد القمح وتحسين التقاوي وتشجيع الفلاحين، لكن خلف هذا الاحتفال الرسمي تقف حقيقة صادمة: مصر ما زالت لا تنتج إلا نصف ما تأكله من القمح، وتعتمد على استيراد ملايين الأطنان سنويًا لإطعام شعب يعتمد أكثر من ٦٩ مليونًا منه على رغيف مدعوم لا يملك بديلا عنه.
ورغم أن بعض المؤشرات تبدو أفضل من أعوام سابقة، فإن القراءة المتأنية تكشف أن ما يجري هو تحسّن محدود داخل إطار أزمة أكبر لم تُمسّ جذورها بعد: فجوة متسعة بين الإنتاج والاستهلاك، وسياسات زراعية مرتبكة، واعتماد خطِر على الخارج لتوفير سلعة استراتيجية تمس أمن البلاد واستقرارها الاجتماعي قبل اقتصادها.
أرقام براقة تغطي نصف الحقيقة فقط
على مستوى الأرقام الخام، لا شك أن زيادة المساحة المزروعة بالقمح إلى ٣,٧٦٣ مليون فدان وتجاوز المستهدف الرسمي يعكس تحركًا إيجابيًا مقارنة بالمواسم السابقة، كما تشير بيانات رسمية إلى ارتفاع مشتريات القمح المحلي من المزارعين عن العام الماضي، مستفيدة من رفع سعر التوريد نسبيًا وتشجيع بعض الفلاحين على التوسع.
لكن هذا "التقدم" يتبخر حين نضعه في سياقه الحقيقي؛ فمصر تستهلك سنويًا نحو ٢٠,٥ مليون طن من القمح، بينما لا ينتج الداخل إلا ما يقارب نصف هذا الرقم، ويُستكمل النصف الآخر تقريبًا عن طريق الاستيراد، خاصة من روسيا وأوكرانيا. حتى مع الحديث عن أن واردات القمح في سنة ٢٠٢٤ بلغت نحو ٤,٩ مليون طن بانخفاض عن العام السابق، فإننا ما زلنا أمام دولة تعيش على حبل الاستيراد، وأى اضطراب في الأسواق العالمية أو شحنات البحر الأسود يمكن أن يهدد برنامج الخبز المدعوم كله.
تقرير أعدته أبحاث مستقلة يؤكد هذه الحقيقة بوضوح: لا يوجد اكتفاء ذاتي حقيقي، والاعتماد على الخارج ليس تفصيلًا ثانويًا بل هو قلب المنظومة. والأسوأ أن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك تتسع مع الزمن، لأن زيادة عدد السكان تسير بوتيرة أسرع من نمو الإنتاج الزراعي، ما يعني أننا نتحرك للأمام بخطوة، لكننا نتراجع بخطوتين في الوقت ذاته.
اعتماد خطِر على الاستيراد واعتراف رسمي بالعجز
أخطر ما في المشهد أن هذا العجز بات معترفًا به رسميًا. عبد السلام الجبلي، رئيس لجنة الزراعة والموارد المائية بمجلس الشيوخ، صرّح صراحة بأن مصر "لا تستطيع تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل للقمح"، مشيرًا إلى محدودية الأراضى الصالحة للزراعة وارتفاع استهلاك السكان. هذا الاعتراف ليس مجرد توصيف محايد، بل إقرار بأن المنظومة الحالية عاجزة، وأن كل ما يُقال عن "الاكتفاء" لا يعدو كونه شعارًا للاستهلاك المحلي.
تقرير بحثى حديث حذّر بدوره من أن الطلب المحلي على القمح ينمو بسرعة أكبر من الإنتاج، وأن الفجوة مرشحة للتوسع خلال السنوات القادمة إذا لم تحدث تغييرات جذرية فى السياسات الزراعية. معنى ذلك أن الدولة، بدلًا من أن تضيق الفجوة، تُثبتها وتتعامل معها كأمر واقع، معتمدة على استمرار القدرة على الاستيراد من الخارج، في وقت تعاني فيه مصر أصلًا من أزمة عملة صعبة وديون متراكمة.
الخطاب الرسمى يتحدث عن "تأمين الأمن الغذائي"، لكن الممارسة الفعلية تجعل رغيف الخبز رهينة لأسعار القمح العالمية، وتقلبات السوق، والحروب والعقوبات والصراعات بين مورّدين كبار مثل روسيا وأوكرانيا. أى اضطراب سياسي أو مالى أو لوجستى هناك يتحول فورًا إلى تهديد مباشر لغذاء ملايين المصريين هنا، وهذه ليست سياسة أمن غذائي، بل وصفة جاهزة لانفجارات اجتماعية عند أول أزمة كبرى.
سياسة زراعية عاجزة: توسّع في المساحة.. لا في الكفاءة
كثير من خبراء الاقتصاد الزراعي يؤكدون أن زيادة إنتاج القمح بمجرد التوسع في المساحات المزروعة لن تحل المشكلة، ما لم يصاحبها تغيير نوعي فى بنية السياسات الزراعية. التركيز على الأرقام الإجمالية للمساحة والإنتاج يُخفي سؤالًا أهم: ماذا عن الإنتاجية على الفدان؟ ماذا عن إدارة المياه، ونظم الري، وتركيب المحاصيل، وكيفية توجيه الدعم؟
تقارير إعلامية، من بينها تحليلات على منصات مثل Mada Masr، شدّدت على أن مصر تحتاج إلى نهج طويل الأمد ومستدام في السياسات الزراعية، يعتمد على إدخال التكنولوجيا الزراعية الحديثة، وتحسين إدارة الموارد المائية، وإعادة النظر في أولويات المحاصيل بدلاً من ترك الفلاحين وحدهم فى مواجهة السوق والمخاطر المناخية.
فى ظل هذه الحقائق، يصبح الاحتفاء الرسمي بزيادة ٦٠٠ ألف فدان مجرد "مكياج" فوق وجه أزمة أعمق: دولة لا تزال تتعامل مع القمح باعتباره ملف توريد واستيراد، لا باعتباره ملف سيادة وأمن قومي. طالما ظل القمح يعتمد على قرارات مورّدين في موسكو وكييف وأسواق عالمية مضطربة، وطالما ظل الفلاح مهمشًا، والسياسات الزراعية رهينة للشعارات لا للعلم والخطط الجادة، فإن كل حديث عن "إنجاز تاريخي" فى إنتاج القمح لن يكون أكثر من دعاية لا تطعم جائعًا ولا تحمي بلدًا من الجوع.

