منذ ظهور جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة" وتحويله من مشروع زراعي بمحور الضبعة إلى كيان عملاق بقرار عبد الفتاح السيسي رقم 591 لسنة 2022 فى مايو 2022، تتوالى القرارات الرئاسية لصالح هذا الجهاز العسكري التابع للقوات الجوية، أحد أسلحة الجيش المصري الرئيسية.

 

خلال سنوات قليلة انتقل "مستقبل مصر" من استصلاح محدود إلى لاعب رئيسى فى ملفات الأمن الغذائي والتصنيع الزراعي والبحيرات وصيد الأسماك والتشييد والإسكان، بينما تظل ميزانيته وأرباحه وطبيعة حوكمته من أكثر ملفات الدولة غموضًا. ورغم تقديمه كذراع تنموية، يحذّر الخبير الاقتصادى مصطفى يوسف، فى تصريحات لـ"عربي21"، من أن الإعفاءات الضريبية والجمركية الممنوحة له، وتوسع أدواره على حساب الوزارات والهيئات المدنية، تؤسس عمليًا لوضع "دولة داخل الدولة" يناقض وعود الحكومة أمام صندوق النقد الدولي بتقليص حضور المؤسسة العسكرية فى الاقتصاد بعد 3 يوليو 2013، ويبتعد عن نماذج التخطيط الشامل التى طُرحت فى عهد وزير التموين الأسبق باسم عودة.

 

جهاز غامض يتمدد على حساب الدولة المدنية

 

أحدث حلقات التوسع تمثلت فى قرار "المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة" من مقره فى العاصمة الإدارية الجديدة بنقل ولاية 46قطعة أرض فى 7 محافظات لصالح جهاز "مستقبل مصر"، بينها قطع فى البحر الأحمر ومطروح والوادي الجديد وأسيوط وبني سويف والغربية و14قطعة فى البحيرة. المركز، التابع لوزارة الزراعة ويرأسه علاء فاروق ويديره اللواء أركان حرب ناصر فوزي، لم يعلن أى قيم مالية أو مساحات أو استخدامات سابقة، بينما مرّ القرار فى بيان مجلس الوزراء باعتباره "قرار رئيس الجمهورية" دون تفاصيل، وسط ترجيحات بأن الأراضى كانت تتبع هيئة التعمير والتنمية الزراعية، وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وأملاك الدولة.

 

هذا القرار يأتى امتدادًا لانتزاع الجهاز من صلاحيات جهاز "حماية وتنمية البحيرات" و"هيئة الثروة السمكية"، وأدوار جهات تابعة لوزارتى الزراعة والتموين مثل "الهيئة العامة للسلع التموينية"، مع دخوله فى مشروعات "الدلتا الجديدة"، ومدينة "مستقبل مصر الصناعية"، ومشروع "جريان" الإسكانى. الباحث مؤمن أشرف يرى أن نقل هذه الأراضى إلى كيان عسكرى غير خاضع فعليًا للرقابة البرلمانية يضرب خطط المحافظات للخدمات والطرق والتجمعات السكنية والاستثمارات المحلية، ويحوّلها إلى كيانات صورية بميزانيات ضعيفة، فى ظل غياب خرائط تفصيلية وشروط واضحة للتصرف فى تلك الأراضى.
تفاوض مع روسيا و"رئاسة وزراء موازية"

 

تغول "مستقبل مصر" لم يقف عند الأراضى، بل امتد إلى التفاوض المباشر على السلع الاستراتيجية. ففى المنتدى الدولي للحبوب بدبى، جلس رئيس الجهاز العقيد بهاء الغنام، الضابط المقرب من السيسي، مع وزيرة الزراعة الروسية أوكسانا لوت، ورئيس مجلس إدارة اتحاد مصدري ومنتجي الحبوب بروسيا دميتري سيرغييف، لبحث تأمين إمدادات القمح الروسي لمصر، التى بلغت نحو 7.1 مليون طن العام الماضى، إلى جانب ترتيبات لوجستية وتجارية تشمل تسجيل الشركات الروسية بمنصات الشراء والبورصة السلعية وإنشاء مركز لوجستي بموانئ مصرية وتوسيع صادرات المنتجات الزراعية والأسمدة والمبيدات المصرية إلى موسكو.

 

ملفات من هذا النوع كانت تاريخيًا ضمن اختصاص وزارات الزراعة والتموين والاستثمار والتجارة الخارجية وتحت إشراف السفارات بالخارج ووزارة الخارجية، لكنها باتت تُدار عبر جهاز عسكرى يُعامل كجهاز سيادى. بالتوازى، تحوّل مقر الجهاز بمحور الضبعة إلى ما يشبه "رئاسة وزراء موازية"؛ إذ استقبل بهاء الغنام وزير الاستثمار حسن الخطيب للاتفاق على مناطق لوجستية فى 6 دول إفريقية، ووزير الزراعة السودانى عصمت قرشي ووزير الرى المصرى هانى سويلم لبحث مشروعات زراعية فى السودان، ووزير قطاع الأعمال العام محمد شيمي للتعاون فى الفوسفات والملح وصناعة المركبات، ورئيس الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات محمد شمروخ لتطوير البنية التحتية الذكية للاتصالات ومراكز البيانات فى مشروعات الاستصلاح والمدن الذكية. مؤمن أشرف يحذّر من أن هذا المسار يخلق قناة قرار موازية تُبرم تعاقدات طويلة الأجل بلا شفافية كافية وبعيدًا عن أدوات الرقابة البرلمانية والجهاز المركزى للمحاسبات.

 

إمبراطورية أراضٍ واستثمارات خارج الموازنة

 

فى الوقت نفسه، يبني "مستقبل مصر" إمبراطورية عقارية وزراعية وصناعية عبر ذراعه العقارى "مدن"، التى تتولى بجانب مشروع مدينة "جريان" المعلن فى يونيو الماضى غرب القاهرة تشييد تجمعات سكنية وتجارية وسياحية قرب هضبة أهرامات الجيزة والمتحف المصرى الجديد على مساحة 25 مليون متر مربع، وإدارة وصيانة وتشغيل المباني والتجمعات العمرانية وأعمال النظافة فى عشرات المدن الجديدة، متغولة بذلك على اختصاص "هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة". وفى 18 أغسطس الماضى، استحوذ الجهاز على 89.66 بالمئة من أسهم الشركة "العربية لاستصلاح الأراضى" مقابل 23.3 مليون جنيه فقط، أى بواقع ٥ جنيهات للسهم وفقًا للقيمة الدفترية، بينما كانت القيمة السوقية للسهم 122 جنيهًا، فى صفقة يصفها مراقبون بإهدار لقيمة أصول الدولة.

 

هيئة الاستعلامات الحكومية تؤكد أن "نصف مساحة مصر المزروعة" بات خاضعًا لقيادة وإشراف الجهاز، بعد توسع مشروعاته من محور الضبعة إلى مشروع "الدلتا الجديدة" شمال غرب البلاد، ودخوله مجال الاستزراع السمكى وتطهير بحيرات البردويل والمنزلة، والإشراف على مشروع "فيروز" شرق بورسعيد ومجمع "غليون" فى كفر الشيخ، ثم التصنيع الزراعى بالمنطقة الصناعية فى "الدلتا الجديدة" لإنتاج سكر البنجر والزيوت وفرز وتعبئة الموالح، وبناء صوامع قمح ومجمع "صوب زراعية" باللاهون فى الفيوم.

 

كل ذلك يحدث رغم وجود كيانات حكومية مدنية يفترض أن تضطلع بهذه الأدوار، مثل "تنمية الريف المصري الجديد"، و"القابضة لاستصلاح الأراضى"، و"الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية"، إضافة إلى شركتى الجيش "الوطنية لاستصلاح وزراعة الأراضى" و"الوطنية للزراعات المحمية". لذلك يرى مصطفى يوسف أن الجيش، عبر جهاز "مستقبل مصر"، يتحول إلى "حزب حاكم اقتصادى" يهيمن على السلع الاستراتيجية والأراضى، بينما تتقلص أدوار الوزارات والهيئات المدنية ويُقصى القطاع الخاص أو يُدفع للعمل كمقاول من الباطن. أما مؤمن أشرف فيعتبر ما يجرى "إعادة تموضع" لاقتصاديات الجيش لا انسحابًا منها، عبر تجميع النفوذ فى كيان عملاق ذى قشرة مدنية وجوهر عسكرى خالص، بما يفاقم العجز فى الموازنة ويزيد المخاطر المالية ويُضعف التنافس والاستثمار الخاص، ويقود إلى نموذج مكتمل لـ"دولة داخل الدولة".