رغم القفزات الجنونية في أسعار الذهب محلياً وعالمياً، لا تبدو السوق المصرية في حالة تهدئة أو ترقب، بل في حالة اندفاع أشبه بـ«سباق نجاة» نحو المعدن الأصفر.
فالطلب على السبائك والجنيهات الذهبية بلغ مستويات غير مسبوقة، خلق معها حالة ارتباك حقيقية داخل السوق، ظهرت في شكل قوائم انتظار تمتد لأسابيع، وتأجيل متكرر لمواعيد تسليم السبائك، في مشهد يكشف هشاشة الثقة في العملة المحلية، ويكرّس الذهب كملاذ شبه وحيد أمام قطاعات واسعة من المصريين.
طلب قياسي يفوق الطاقة الإنتاجية وقوائم انتظار حتى شهر
بحسب تصريحات سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة» لتداول الذهب، فإن السوق تشهد حالياً «زيادة غير مسبوقة» في الطلب، تزامنت مع ارتفاعات قياسية في الأسعار داخل مصر وخارجها. فمنذ بداية العام، قفزت أسعار الذهب في مصر بنحو 20%، أي ما يعادل 1160 جنيهاً للغرام، بينما ارتفعت الأونصة عالمياً بنحو 22% تعادل 940 دولاراً.
هذه القفزات لم تَحُل دون استمرار موجة الشراء، بل بدت كأنها تشعلها. ففي يوم واحد فقط (الأربعاء)، ارتفع غرام الذهب عيار 21 بنحو 195 جنيهاً ليصل إلى 7045 جنيهاً لأول مرة في تاريخه، في حين قفزت الأونصة في البورصة العالمية بنحو 189 دولاراً لتسجل حوالي 5273 دولاراً.
إمبابي يؤكد أن حجم الطلب الحالي «يفوق الطاقة الإنتاجية للشركات والمصانع العاملة في القطاع»، وهو ما انعكس في صورة حجوزات مسبقة وقوائم انتظار على السبائك والجنيهات تمتد من أسبوع، ثم أسبوعين، لتصل حالياً إلى ثلاثة أسابيع وقد تزيد إلى شهر لدى بعض الشركات.
ويتحدث إمبابي عن «مؤشر خطير» يراه في هذا المشهد؛ فالسوق لا تتحرك وفق طلب طبيعي أو موسمي، بل وفق حالة «اندفاع» تغذيها المخاوف من المستقبل وتدهور القوة الشرائية للجنيه، ما يحوّل الذهب من أداة ادخار إلى وسيلة دفاع عن قيمة المدخرات بأي ثمن.
سبائك وجنيهات تحت الحصار.. والمشغولات خارج دائرة الاهتمام
القاسم المشترك في شهادات العاملين بالسوق أن الطلب يتركز بشكل شبه كامل على السبائك والجنيهات الذهبية، بينما تراجع الإقبال على المشغولات الذهبية التقليدية (الحُلي) بوضوح.
سعيد إمبابي يوضح أن «أغلب الطلب موجه حالياً إلى السبائك والجنيهات، فيما تراجع الإقبال على المشغولات رغم توافرها للتسليم الفوري»، مشيراً إلى أن ازدحام الطلب على نوع واحد فقط من المنتجات هو ما يخلق هذا الضغط الاستثنائي على المصانع والشركات.
ويضيف أن بعض المصانع اضطرت بالفعل إلى تأجيل مواعيد التسليم بعد أن كانت تتم في اليوم نفسه أو في اليوم التالي، لتتحول إلى فترات انتظار تمتد لأسابيع.
من جانبه، يؤكد إيهاب واصف، رئيس شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات المصرية، أن بعض الشركات المنتجة للسبائك والجنيهات تواجه ضغوطاً قوية بسبب «ارتفاع غير معتاد في الطلب»، ما أدى إلى ظهور قوائم انتظار للحجوزات، تمتد في بعض الحالات إلى ثلاثة أسابيع أو حتى شهر كامل.
ويرى واصف أن جزءاً من الأزمة يعود إلى شهرة بعض العلامات التجارية التي حجزت لنفسها ثقة واسعة لدى الجمهور، مدعومة بحملات ترويجية ضخمة، وهو ما يدفع أعداداً كبيرة من المشترين للتزاحم على سبائك تحمل أسماء بعينها، فينشأ ضغط استثنائي على شركات محددة، بينما تظل طاقات إنتاجية أخرى أقل ازدحاماً.
في المقابل، ينفي واصف ما يتردد عن لجوء المصانع إلى صهر المشغولات الذهبية وتحويلها إلى سبائك لتعويض نقص المعروض، مؤكداً أن «هذا الكلام شائعات غير صحيحة، وأن المعروض الحقيقي من الذهب كبير»، لكن نمط الطلب المنحاز للسبائك هو الذي يصنع الاختناق في نقطة بعينها من السلسلة الإنتاجية.
إمبابي بدوره يدعو المستهلكين إلى «إعادة النظر في نمط الشراء»، وعدم حصر الاستثمار في السبائك والجنيهات فقط، لافتاً إلى أن المصنعية على كثير من المشغولات أصبحت قريبة من مصنعية أوزان معينة من السبائك، ما يجعل المشغولات بديلاً منطقياً لمن يريد ادخار الذهب وفي الوقت نفسه تجنّب قوائم الانتظار والتسليم المؤجل.
من شهادات الادخار إلى الذهب.. مدخرات تهرب من الجنيه
هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية، يربط بين موجة الإقبال الحالية وبين استحقاق آجال شهادات الادخار مرتفعة العائد التي طرحتها البنوك في فترات سابقة.
فمع بداية شهر يناير، بدأ عدد كبير من العملاء في استرداد مدخراتهم من تلك الشهادات، ليفاجأوا بأن الشهادات البديلة المتاحة لا تتجاوز عوائدها 16%، في ظل تضخم فعلي أعلى كثيراً.
هذا الواقع دفع كثيرين — بحسب ميلاد — إلى تحويل جزء معتبر من مدخراتهم مباشرة إلى ذهب، وخاصة في شكل سبائك وجنيهات، باعتباره «استثماراً طويل الأجل يحافظ على القيمة»، حتى لو كانت الأسعار الحالية عند قمم تاريخية.
ويقول ميلاد إن «شراء الذهب يظل خياراً مناسباً عند أي مستوى سعري لمن يحتفظ به لعام أو أكثر، ومن المرجّح أن يرى زيادة في قيمته رغم المستويات المرتفعة الحالية».
تفسير ميلاد يعكس بوضوح أن موجة الذهب ليست «موضة استهلاكية»، بل استجابة مباشرة لشعور متزايد بأن العائد الحقيقي على المدخرات بالعملة المحلية سلبي، وأن أدوات الادخار البنكية لم تعد قادرة على حماية أموال أصحابها من التآكل بفعل التضخم وتراجع قيمة الجنيه.
وفي الوقت الذي يصر فيه المسؤولون الرسميون على الحديث عن «استقرار ومرونة» في السوق، تكشف مشاهد الطوابير، والحجز المسبق للسبائك، وقوائم الانتظار الممتدة لشهر كامل، أن ثقة المدخر المصري في عملته وفي خيارات الادخار التقليدية تتراجع، وأن الذهب عاد ليؤدي دوره القديم كـ«ملاذ أخير» في زمن الأزمات.
في النهاية، تبدو أزمة الذهب الحالية في مصر أكبر من مجرد نقص معروض أو ضغط إنتاجي؛ إنها مرآة مباشرة لقلق اقتصادي واجتماعي عميق، يعبّر عن نفسه في شكل سبائك وجنيهات محجوزة، وذهب يُشترى بأي سعر… المهم أن يظل بعيداً عن مصير الجنيه.

