أعاد الباحث المصري محمود جمال فتح ملف الدور الإماراتي في الإقليم، بعد نشره تعليقًا على تغريدة قديمة لنائب رئيس شرطة دبي السابق ضاحي خلفان، دعا فيها صراحة إلى تفكيك الدول القريبة من إسرائيل ذات الكثافة السكانية الكبيرة.

 

جمال اعتبر أن هذه العقلية ليست مجرد رأي فردي، بل تعبّر عن مدرسة سياسية وأمنية تم تطبيقها – برأيه – في أكثر من ساحة عربية، وأن الخطر الآن أن تُستنسَخ أدواتها داخل مصر عبر ما يصفه بـ«التوغّل الاقتصادي والسياسي الإماراتي» الذي فتح له نظام السيسي الأبواب.

 

التعليق بدا بمثابة «جرس إنذار» يدعو إلى مراجعة شاملة لكل ما جرى من صفقات واستثمارات واتفاقات، خصوصًا بعدما قفز حجم الاستثمارات الإماراتية في مصر إلى نحو 65 مليار دولار مع صفقة تطوير رأس الحكمة وحدها بقيمة 35 مليار دولار، تقودها شركة أبوظبي الحكومية ADQ ذات الصلة المباشرة بدوائر صنع القرار الأمني في أبوظبي.

 

 

تغريدة خلفان.. من «تفكيك الدول الكبيرة» إلى سؤال الأمن القومي المصري

 

في تغريدة تعود إلى نوفمبر 2012، كتب ضاحي خلفان متسائلاً عن «خطة مستقبلية لثورة الإخوان المسيحيين» بعد ثورة الإخوان المسلمين، قبل أن يرد على أحد المعلقين الذي حذّره من أن كلامه يبدو تمهيدًا لتقسيم مصر. ردّ خلفان كان واضحًا: «الدول القريبة من إسرائيل ذات الكثافة السكانية الكبيرة (قبائل بشرية) تخيف إسرائيل.. يجب تفكيكها».

 

الباحث محمود جمال استند إلى هذه الجملة تحديدًا ليقول إننا «لسنا أمام اختلاف في تقدير الموقف، بل أمام منطق يرى في الدول العربية الكبيرة عبئًا يجب تفكيكه لتأمين إسرائيل»، معتبرًا أن هذا التصوّر يفسر نمطًا من السلوك الإقليمي في السودان واليمن وليبيا حيث دعمت أبوظبي – وفق تقارير دولية وإقليمية عديدة – قوى مسلحة محلية وميليشيات متناحرة بدل الاستثمار في مسارات سياسية جامعة.

 

من زاوية جمال، تصبح مصر هدفًا طبيعيًا لهذه المدرسة؛ فهي الدولة العربية الأكبر سكانيًا والأقرب جغرافيًا إلى فلسطين المحتلّة، وأي نفوذ خارجي واسع داخلها يعني – في لحظة الأزمة – قدرة على الضغط والتوجيه وربما التعطيل، من خلال التحكم في أصول استراتيجية أو ملفات مالية حيوية.

 

من المرافئ إلى رأس الحكمة: كيف يتجسّد «التوغّل» على الأرض؟

 

تحذير جمال لا ينطلق من شعارات عامة، بل من شبكة أرقام وصفقات؛ فالإمارات اليوم هي أكبر مستثمر عربي في مصر، باستثمارات تُقدّر رسميًا بنحو 65 مليار دولار بعد صفقة رأس الحكمة، التي منحت صندوق ADQ حقوق تطوير مساحة شاسعة على الساحل الشمالي مقابل 35 مليار دولار، منها 24 مليارًا تُسدَّد على دفعتين مقابل حقوق التطوير، و11 مليارًا كانت وديعة تم تحويلها لاستثمارات أخرى داخل البلاد.

 

بالتوازي، اشترت ADQ عام 2022 حصصًا في خمس شركات مصرية كبرى مدرجة بالبورصة – من بينها البنك التجاري الدولي وأبو قير للأسمدة وموبكو والإسكندرية للحاويات وفوري – في صفقة واحدة بلغت قيمتها نحو 1.85 مليار دولار، وهو ما منح الصندوق الإماراتي نفوذًا غير مباشر في قطاعات البنوك والأسمدة واللوجستيات والخدمات المالية الرقمية.

 

وفي مجال الموانئ، حصلت مجموعة AD Ports على امتيازات طويلة الأجل لتطوير وتشغيل محطة متعددة الأغراض في ميناء سفاجا على البحر الأحمر لمدة 30 عامًا، إضافة إلى إدارة ثلاث محطات للرحلات البحرية في موانئ سفاجا والغردقة وشرم الشيخ، ثم توسيع الاتفاق لاحقًا ليشمل أنشطة في ميناء العين السخنة.

 

هذه الصفقات تُقدَّم رسميًا كـ«شراكات استراتيجية» تعزّز التجارة والسياحة وتوفر عملة صعبة لاقتصاد مأزوم، غير أن جمال يحذّر من تركيز هذا الحجم من الأصول في يد طرف واحد يرتبط رأسًا بقرار سياسي خارجي، ويرى أن ذلك «يخلق درجة من التبعية تمنح أبوظبي قدرة تأثير داخلية لا تتناسب مع أي مفهوم سليم للسيادة الاقتصادية».

 

في هذا السياق، تكتسب رسالة الصحفي السعودي سلمان الأنصاري لأبوظبي وزنًا إضافيًا؛ إذ دعا فيها قادة الإمارة إلى «إعادة تقييم شاملة لسياساتكم الإقليمية»، متسائلًا كيف تمّ إقناعهم بأن النفوذ يُبنى عبر تقسيم الدول ودعم الميليشيات واستئجار المرتزقة، وكيف رُوّج لهم أن التحالف مع إسرائيل يمكن أن يحوّل الإمارات إلى «قوة عظمى» ولو على حساب العرب أنفسهم.

هذه الرسالة، القادمة من داخل الخليج، يستخدمها جمال كدليل على أن الانتقادات لسلوك أبوظبي ليست حكرًا على معارضيها الأيديولوجيين، بل صارت هاجسًا حتى لدى شركاء تقليديين.

 

مراجعة عاجلة قبل أن تتحول «الاستثمارات» إلى أداة ضغط

 

يخلص الباحث محمود جمال إلى أن المشكلة ليست في قدوم استثمار عربي أو خليجي إلى مصر، بل في طريقة إدارة هذه الاستثمارات وحجم التنازلات التي قُدمت في ظل أزمة عملة خانقة وحاجة السلطة لأي ضخ دولاري؛ فحين تتحول أصول حيوية مثل الموانئ والأراضي الساحلية النادرة وشركات البنوك واللوجستيات إلى مجال نفوذ مكثف لدولة واحدة، يصبح السؤال مشروعًا: ماذا لو تعارضت مصالح القاهرة وأبوظبي يومًا؟

 

جمال يطالب بفتح هذا الملف على مستويين:

 

  1. مستوى الشفافية الداخلية عبر إعلان تفاصيل العقود ومدد الامتيازات ونسب العائد الحقيقي لمصر، وضمان خضوعها لرقابة برلمانية وقضائية وإعلامية حقيقية، بعيدًا عن دوائر التعتيم التي تحوّل الاتفاقات الاقتصادية إلى أسرار عسكرية.
  2. مستوى الأمن القومي من خلال تقييم تأثير هذا التملك الواسع على قدرة الدولة على إدارة أزماتها بحرية، سواء في حال تغيّر المواقف السياسية أو حدوث خلافات إقليمية، بحيث لا تجد مصر نفسها مكبَّلة بمصالح مستثمر خارجي يمتلك أوراق ضغط في البحرين الأحمر والمتوسط، وفي النظام المصرفي، وحتى في مشاريع المدن الجديدة.

 

وفي ختام تحذيره، يوجّه جمال رسالته: «ما طرحه ضاحي خلفان لم يكن نكتة على تويتر ولا مجرد رأي شخصي، بل مكثفٌ لذهنية ترى أن أمن إسرائيل يمر عبر تفكيك الدول العربية الكبيرة. ومن يمنح هذه الذهنية مفاتيح أصوله الاستراتيجية، يغامر بأن يجعل بلده ساحة اختبار جديدة لهذه المشاريع».

 

هكذا يتحوّل النقاش من جدل حول «استثمارات منقذة» إلى سؤال أكثر جوهرية يطرحه جمال: هل ما يجري بناءٌ لمستقبل آمن لمصر، أم هندسة هادئة لميزان قوى إقليمي يجعل قرارها مرتهنًا لمن يملك الأرض والميناء والشركة؟