التقرير الشهري لوزارة المالية يكشف رقمًا كاشفًا لحجم الكارثة: مدفوعات الدين (أقساط + فوائد) تلتهم نحو 92% من الإيرادات العامة، بقيمة 1.26 تريليون جنيه خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026 (من يوليو إلى ديسمبر الماضيين). هذا يعني ببساطة أن كل 100 جنيه تدخل خزينة الدولة، يذهب منها 92 جنيهًا إلى البنوك والدائنين، ولا يبقى إلا 8 جنيهات فقط لكل شيء آخر: صحة، تعليم، دعم، استثمار، أجور وخدمات عامة.
إذا قُسِّم هذا الرقم حسابيًا، فهذا يعني أن إجمالي إيرادات النصف الأول يدور حول 1.37 تريليون جنيه تقريبًا، منها 1.26 تريليون خُصّصت لخدمة الدين وحده. ومع تحذيرات مؤسسات دولية – مثل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية – من أن مصر باتت ضمن الدول ذات أعلى أعباء خدمة دين كنسبة من الناتج المحلي (نحو 14%)، يصبح السؤال: هل ما زال يمكن الحديث عن “موازنة عامة للدولة”، أم أننا أمام “موازنة دين” لا دولة؟
موازنة تحولت إلى ماكينة سداد ديون
ما تكشفه أرقام المالية يعني أن الموازنة لم تعد أداة لإدارة اقتصاد وتنمية بشر، بل ماكينة ضخمة لسداد القروض وفوائدها. عندما يذهب 92% من الإيرادات لخدمة الدين فقط خلال نصف عام، فهذا يترك الحكومة أمام أحد خيارين لا ثالث لهما تقريبًا:
• إما مزيد من الاقتراض لسد باقي المصروفات (أجور، دعم، استثمار عام… إلخ).
• أو مزيد من التقشف وبيع الأصول لصنع مساحة تنفس مؤقتة في خانة “التمويل”.
تقرير للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أشار صراحة إلى أن بلدانًا مثل مصر تعاني من قفزة في تكاليف خدمة الدين كنسبة من الناتج، مع تآكل القدرة على الإنفاق التنموي، وحذّر من أن هذا المسار غير قابل للاستدامة على المدى المتوسط.
بمعنى أوضح: الدولة باتت تعمل بالمنطق التالي:
• نحصل على إيرادات من الضرائب والرسوم وقناة السويس وبيع الأراضي… إلخ.
• نوجّه معظمها لسداد الديون وفوائدها.
• ثم نعود للاقتراض من جديد، لأن ما تبقى لا يكفي لإدارة دولة يعيش فيها أكثر من 105 ملايين نسمة.
هكذا تتحول الموازنة إلى ما وصفته أكثر من خبير اقتصادي بأنه “دفتر شيكات للدائنين”، بينما تُترك الخدمات العامة في حالة تدهور مستمر.
حلقة مميتة من الديون وبيع الأصول
الخبيرة الاقتصادية د. سالي صلاح – المتخصصة في التخطيط الاستراتيجي والاقتصاد – تربط منذ شهور بين تضخم خدمة الدين واندفاع السلطة نحو بيع الأصول وتسييل ما تبقّى من ممتلكات الدولة تحت لافتة “جذب الاستثمارات”.
في قراءاتها الأخيرة لأرقام الدين، تشير صلاح إلى أن الدين الخارجي واصل الصعود من نحو 155.9 مليار دولار في نهاية 2024 إلى أكثر من 168 مليار دولار في 2025، مع تضخم خدمة الدين إلى مستويات جعلتها تتجاوز أحيانًا كامل الإيرادات العامة، ما يعني – عمليًا – أن موارد الدولة لا تكفي لسداد القروض وفوائدها فتضطر للاستدانة من جديد لسد الفجوة.
في ضوء رقم وزارة المالية (92% من الإيرادات في نصف عام لخدمة الدين)، تبدو تحذيرات سالي صلاح منطقية:
• كل زيادة في خدمة الدين تخلق ضغطًا إضافيًا يدفع الحكومة نحو مزيد من صفقات بيع الأصول (موانئ، أراضٍ، مشروعات، حصص في شركات عامة).
• كل صفقة جديدة تُسوَّق بوصفها “استثمارًا” لكنها عمليًا غالبًا ما تُستخدم لسد فجوة تمويل عاجلة، لا لتأسيس طاقة إنتاجية جديدة.
سالي صلاح تصف هذا النمط بأنه “حلقة مميتة من الديون وبيع الأصول”:
• أزمة دين → بيع أصول أو توقيع صفقة كبيرة.
• تذهب حصيلة الصفقة لسداد جزء من الديون وسد عجز مؤقت.
• بعد شهور تعود أزمة الدين والعجز، فنبدأ حلقة جديدة بصفقة أخرى.
ومع وصول خدمة الدين إلى 92% من الإيرادات وفق تقرير المالية، يتأكد أن هذه الحلقة لا تكسر الأزمة، بل تعمّقها وتؤجل الانفجار.
إفلاس محاسبي وسياسات بلا أفق
د. محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب السابق وعضو لجنة الاقتصاد الكلي الاستشارية لمجلس الوزراء، انتقد أكثر من مرة طريقة إدارة ملف الدين، معتبرًا أن الخطاب الرسمي يروّج لانخفاض “نسبة الدين إلى الناتج” بينما الواقع أن تكلفة خدمة هذا الدين تخنق الموازنة.
في مداخلاته الإعلامية، يلفت فؤاد إلى أن الحكومة تتصرف كمن “يدير مشروعات لا دولة”: التركيز على إعلانات ضخمة لمشروعات عقارية أو سياحية، مع إهمال جذور الأزمة في هيكل الاقتصاد والإنتاج والصادرات. رقم 92% الذي كشفه تقرير المالية يعطي وزنًا إضافيًا لهذا النقد؛ فخدمة الدين بهذا الحجم تعني أن الدولة اختارت طريق الاقتراض لتمويل نموذج نمو غير منتج، ثم عادت اليوم لتدفع ثمن ذلك من قوت الناس.
أما د. عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد وعميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق، فقد سبقت التقرير بأشهر عندما حذّرت في شهادة منشورة من أن إجمالي خدمة الدين (أقساط + فوائد) بات يقترب من 142% من الإيرادات العامة في بعض التقديرات، واعتبرت أن هذا الوضع يضع مصر في حالة “إفلاس محاسبي” حتى لو لم يُعلن رسميًا.
المهدي شددت على أن حل الأزمة لا يمكن أن يكون بالمزيد من الاقتراض أو بيع الأصول، بل بكسر الحلقة التي وصفتها بـ:
الاستدانة → أزمة → بيع أصول → استدانة → أزمة أكبر.
اليوم، ومع إعلان أن 92% من الإيرادات في نصف عام ذهبت لخدمة الدين، يتأكد أن ما وصفته عالية المهدي ليس “خوفًا مبالغًا فيه”، بل وصف دقيق لموازنة تفقد وظيفتها الاجتماعية والتنموية، وتتحول إلى أداة لإدارة العجز وتأجيل الانهيار.
في المحصلة، تتقاطع تحليلات سالي صلاح ومحمد فؤاد وعالية المهدي عند نقطة واحدة:
• لا يمكن اعتبار هذه الأرقام “طبيعية” أو “تحت السيطرة”.
• لا يمكن لدولة أن تستمر طويلًا وهي تلتهم إيراداتها لسداد الديون، بينما تعيش أغلبية شعبها تحت ضغط تضخم وغلاء وبطالة.
والسؤال الذي يفرض نفسه بعد تقرير المالية:
كم نسبة أخرى من إيرادات المصريين يجب أن تُحرق في محرقة خدمة الدين قبل أن تعترف السلطة بأن الطريق الحالي يقود إلى حافة هاوية لا رجعة منها؟

