يُسوَّق نظام الانقلاب لـ “معاش ربات البيوت” الجديد كأنه إنجاز اجتماعي وفتح تاريخي لصالح ملايين السيدات غير العاملات، بينما الحقيقة القاسية أن أول امرأة ستقبض أول جنيه من هذا المعاش – وفق الشروط الحالية – لن يكون ذلك قبل مرور 15 عامًا كاملة من الانتظام في السداد، مع اشتراك سنوي لا يقل عن 2700 جنيه، في بلد تكافح فيه أغلب الأسر لتدبير قوت اليوم.

 

على الورق، يبدو الكلام لطيفًا: “مظلة تأمينية”، “دخل ثابت عند بلوغ سن التقاعد”، “تأمين صحي”. لكن عندما ننظر للمدفوع فعلاً من جيب ربة البيت، وللشروط الزمنية القاسية، ولغياب أي دعم حقيقي من الدولة، يتحول السؤال إلى صيغة أكثر حدّة وصدقًا: هل نحن أمام معاش يحمي النساء أم آلية رسمية لتحصيل 2700 جنيه سنويًا من أفقر شرائح المجتمع مقابل وعد مؤجل لما بعد 15 سنة؟

 

نظام بلا دعم حقيقي: الدولة خارج الحساب والمرأة وحدها في ميدان الدفع

 

التصريحات الرسمية تكرر أن النظام “يلبي حقوق ربات البيوت” ويمنحهن “فرصة للتأمين على أنفسهن” استنادًا للقانون 148 لسنة 2019، مع ثلاث شرائح اشتراك ومرونة في الاختيار. كلام جميل، لكن جوهر القصة في سؤال واحد: من الذي يدفع؟

 

الجواب واضح: ربة البيت وحدها. لا مساهمة من الدولة، لا دعم نسبي للدخل المحدود، لا مشاركة من الزوج أو صاحب العمل (لأنها أصلاً غير عاملة رسميًا).

 

الحد الأدنى للاشتراك 2700 جنيه سنويًا، أي نحو 225 جنيه شهريًا، لسيدة غالبًا لا تملك دخلًا مستقلًا، وتعتمد على زوج يعاني أصلاً من موجات الغلاء. أنتِ لا تتحدثين عن موظفة أو صاحبة عمل حر ثابت، بل عن ملايين نساء في الريف والأحياء الشعبية والعشوائيات، بعضهن لا يجدن تكلفة العلاج أو الدواء.

 

بدل أن تتبنى الدولة رؤية حقيقية لـ"العدالة الاجتماعية" وتعتبر ربات البيوت شريحة تحتاج دعمًا مباشرًا، تحوِّلهن إلى “مشتركات” في نظام تأميني كأنهن شركات خاصة، تُطالَب كل واحدة فيهن أن تدفع طوال 15 سنة لتأخذ في النهاية معاشًا لن يكون – في الأغلب – كافيًا حتى لفاتورة دواء شهرية.

 

15 سنة انتظار: معاش مؤجل في بلد لا يضمن غدًا اقتصاديًا ولا صحيًا

 

الشرط الصريح لاستحقاق المعاش عند بلوغ الستين هو مدة تأمين لا تقل عن 15 سنة، مع سن اشتراك يبدأ من 18 عامًا ويقترب حده الأقصى من 45 عامًا. هذا يعني ببساطة:

 

  • إذا جاءت سيدة عمرها 40 سنة اليوم، ودخلت في النظام، عليها أن تدفع 2700 جنيه سنويًا لمدة 15 سنة لتبدأ فقط رحلة استحقاق المعاش عند الستين.
  • إذا كانت في منتصف الثلاثينات، فالمعادلة نفسها تقريبًا، مع فارق أن احتمال تغيّر ظروفها الاقتصادية والصحية والأسَرية أكبر بكثير من قدرة القانون على التنبؤ بها.

 

نحن إذًا أمام نظام يطلب من ربات البيوت أن يُسلِّمن له جزءًا من دخلهن المحدود طيلة 15 سنة، في بلد يعاني تضخمًا مرتفعًا وتآكلًا مستمرًا في قيمة العملة؛ من يضمن أن ما ستقبضه السيدة بعد 15 سنة سيكون له أي قيمة حقيقية؟

 

القانون يتحدث عن أن قيمة المعاش تُحتسب كنسبة من "الأجر التأميني" (المقدر هنا بما يقابل اشتراك 2700 جنيه سنويًا)، لكن لا أحد يتحدث بوضوح عن أرقام تقريبية:

 

  • كم سيكون المعاش تقريبًا لو التزمت سيدة بالحد الأدنى؟
  • كم تساوي هذه القيمة في ظل غلاء الأسعار المتصاعد؟
  • هل هناك آلية حقيقية لربط المعاش بالتضخم؟

 

في غياب هذه الإجابات، تصبح الحكاية أقرب إلى: ادفعي الآن بلا أسئلة، وربما – فقط ربما – تحصلين على فتات لاحقًا إذا بقيتِ حيّة وبصحة تسمح لكِ بالاستفادة.

 

“حماية اجتماعية” على حساب الضعفاء: 2700 جنيه سنويًا مقابل وعود مبهمة

 

المدافعون عن النظام يرفعون لافتة “الحماية الاجتماعية” و“التأمين الصحي”، لكن عند التدقيق نجد أن الحماية هنا ليست هدية من الدولة للفئات الأضعف، بل سلعة تُباع لهن بشروط قاسية:

 

  • اشتراك سنوي ثابت، في وقت لا يوجد فيه حد أدنى حقيقي للدخل يضمن قدرة ربات البيوت على السداد.
  • تهديد ضمني: إن تعثرتِ في السداد أو توقفتِ، تضعفين حقك في المعاش أو تفقدينه جزئيًا.
  • لا حديث عن دعم للفئات الأشد فقرًا، لا برامج موازية لمساعدة من لا تستطيع دفع 2700 جنيه سنويًا، ولا ضمانة بعدم ضياع الحقوق عند أي تعديل قادم في القانون أو اللوائح.

 

صحيح أن هناك ميزة في حالة الوفاة بعد 3 أشهر فقط من الاشتراك، حيث تحصل الأسرة على معاش لا يقل عن 60% من الأجر المؤمن عليه، لكن هذه النقطة تبدو في الواقع استثناءً يُستخدم للتجميل لا قاعدة تعكس عدالة شاملة؛ لأن السيناريو الأوسع هو سيدة تظل تدفع سنوات طويلة ثم تتفاجأ أن ما ستحصل عليه لا يوازي ما دفعته من جهد وحرمان، بعد أن احتاجت هي وأبناؤها هذه الأموال في مراحل حياتية أكثر قسوة.

 

الأخطر أن النظام يُقدَّم كأنه حلّ استراتيجي لمشكلة "عدم وجود معاش لربات البيوت"، بينما في الحقيقة يتجاهل السؤال الجوهري: لماذا لا تتحمل الدولة مسؤولية مباشرة عن هذه الفئة من خلال معاش اجتماعي ممول من الموازنة، بدل تحميل المرأة عبء اشتراكات ثابتة في ظل أزمة معيشية خانقة؟

 

ختاما فإنه من حق أي امرأة أن تؤمّن مستقبلها وأن تحصل على معاش يلبي احتياجاتها الأساسية في الكِبَر أو يؤمّن أسرتها بعد وفاتها، لكن ما يجري الآن لا يبدو نظام حماية بقدر ما يشبه آلية تجميع أموال من ربات البيوت تحت لافتة التأمين.

 

عنوان “معاش ربات البيوت” يوحي بالرعاية، لكن الأرقام والشروط تقول شيئًا آخر: أول امرأة ستحصل على هذا المعاش بعد 15 عامًا من الدفع المنتظم، وباشتراك سنوي يبدأ من 2700 جنيه، في اقتصاد يفقد عملته قيمتها عامًا بعد عام.

 

في النهاية، يبقى السؤال معلّقًا في وجه الحكومة والمؤيدين للنظام:

هل نحن أمام خطوة حقيقية لحماية ربات البيوت، أم أمام “معاش أم نهب 2700 جنيه سنويًا من ربات البيوت” باسم القانون والحماية الاجتماعية؟