دخل نحو 600 عامل بشركة وبريات سمنود بمحافظة الغربية في أزمة صحية وإنسانية متفاقمة، بعد قرار هيئة التأمين الصحي وقف تقديم الخدمات الطبية والعلاجية لهم، بدعوى تراكم مديونية على الشركة تتجاوز 15 مليون جنيه، رغم الانتظام الشهري في خصم اشتراكات التأمين الصحي من رواتب العاملين.

 

ويعاني أكثر من نصف العمال المتضررين من أمراض مزمنة، مثل السكري والضغط والربو وأمراض القلب، ويعتمدون على صرف علاج شهري منتظم من خلال منظومة التأمين الصحي، ما جعل قرار الوقف بمثابة تهديد مباشر لصحتهم وقدرتهم على الاستمرار في العمل والحياة.

 

وقف مفاجئ وتصعيد تدريجي

 

بحسب شهادات عاملين: بدأ الأمر الأسبوع الماضي برفض تجديد البطاقات الصحية المنتهية لبعض العاملين، قبل أن يتوسع القرار سريعًا ليشمل وقف صرف العلاج الشهري لأصحاب الأمراض المزمنة، ثم رفض استقبال جميع عمال وبريات سمنود داخل مستشفيات التأمين الصحي بمدينة سمنود، حتى من لا تزال بطاقاتهم الصحية سارية.

 

وقال أحد العمال، طالبًا عدم نشر اسمه، إن موظفي التأمين الصحي أبلغوهم بشكل شفهي أن هناك «تعليمات واضحة بوقف أي كشف أو علاج لعمال وبريات سمنود، لحين سداد الشركة المديونية المتراكمة».

 

وأضاف أن القرار لم يُبلغ به العمال رسميًا أو كتابيًا، بل فوجئوا به أثناء توجههم لصرف العلاج أو إجراء الكشف الدوري، ما وضعهم أمام أمر واقع دون أي بدائل.

 

أمراض مزمنة بلا علاج

 

من جانبها، أكدت عاملة بالشركة أن أكثر من 300 عامل، أغلبهم من النساء، يعانون أمراضًا مزمنة توقف صرف علاجهم بالكامل، ما حمّلهم أعباء مالية تفوق قدرتهم في ظل تدني الأجور وارتفاع الأسعار.

 

وقالت: «أنا مريضة سكر، وبعد وقف صرف العلاج اضطريت أشتريه على حسابي. حقنة الأنسولين بـ150 جنيه وتكفيني 3 أيام، وغيري بيشتري علاج بـ500 جنيه كل أسبوع. نجيب منين؟ مرتباتنا هتكفي إيه ولا إيه؟».

 

وأضافت أن ما يحدث «ظلم مضاعف»، لأن العمال ملتزمون بدفع اشتراكات التأمين الصحي شهريًا من رواتبهم، ولا ذنب لهم في مديونية الشركة أو طريقة إدارتها.

 

تحميل العمال ثمن أزمة إدارية

 

واعتبر العمال أن قرار التأمين الصحي يُحمّلهم مسؤولية أزمة لا يد لهم فيها، مشددين على أن الخصومات التأمينية تتم بانتظام من أجورهم، بينما يفترض أن تتحمل إدارة الشركة وحدها تبعات أي تقصير أو مديونية.

 

وتساءل أحدهم: «إزاي نُحرم من العلاج رغم إن الفلوس بتتخصم مننا؟ لو في خلاف مالي بين التأمين والشركة، يتحل بينهم، مش على حساب صحة العمال».

 

إدانة نقابية وتحذير من الانتهاكات

 

من ناحيتها، أدانت دار الخدمات النقابية والعمالية قرار التأمين الصحي، ووصفته بـ«المتعسف»، مؤكدة أن العمال ليسوا طرفًا في هذه الأزمة، وأن حرمانهم من العلاج، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة، يمثل انتهاكًا صارخًا لحقوقهم الدستورية والإنسانية.

 

وشددت الدار، في بيان، على أن المسؤولية القانونية تقع على عاتق إدارة الشركة، وأن دور التأمينات يجب أن ينحصر في ملاحقة الشركة لتحصيل المديونيات المتأخرة، دون المساس بحقوق العاملين العلاجية.

 

كما حذرت من خطورة تكرار هذه الممارسات، معتبرة أن أي تقصير إداري أو مالي من جانب أصحاب العمل لا يجوز أن يتحمل تبعاته العمال، لا سيما حين يتعلق الأمر بالحق في العلاج والحياة.

 

قيود نقابية ومخاوف من الانتقام

 

وأشارت الدار إلى أن الأزمة تتفاقم في ظل القيود المفروضة على العمل النقابي داخل الشركة، ومنع العمال فعليًا من تقديم شكاوى جماعية أو التحرك القانوني للدفاع عن حقوقهم، مع وجود مخاوف حقيقية من الترصد والفصل التعسفي.

 

وأكدت أن هذه الأجواء القمعية تحد من قدرة العمال على الضغط من أجل استعادة حقوقهم الصحية، وتضعهم أمام خيارين قاسيين: إما الصمت وتحمل الأعباء، أو المخاطرة بوظائفهم.

 

سجل ممتد من الانتهاكات

 

ولا تُعد أزمة وقف العلاج هي الأولى في سجل الانتهاكات التي تعرض لها عمال وبريات سمنود خلال السنوات الأخيرة.

 

ففي أبريل الماضي، طبقت إدارة الشركة الحد الأدنى للأجور (7 آلاف جنيه) على عشرات من موظفي الإدارة ومشرفي الأقسام فقط، دون تعميمه على بقية العمال، ما أثار حالة من الغضب والاحتقان.

 

ورغم تطبيق الحد الأدنى لاحقًا، إلا أن العمال أكدوا أن التطبيق شابه العديد من المخالفات، من بينها احتساب البدلات وساعات العمل الإضافي ضمن الحد الأدنى، بالمخالفة للقانون.

 

وفي 18 أغسطس الماضي، دخل العمال في إضراب عن العمل استمر 35 يومًا للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور بشكل عادل، قبل أن يضطروا لإنهائه تحت التهديد بالفصل والحبس.

 

وخلال الإضراب، ألقي القبض في 25 أغسطس على 10 عمال، بينهم القيادي العمالي هشام البنا، ووجهت لهم اتهامات بـ«التحريض على الإضراب والتجمهر وقلب نظام الحكم»، وقررت النيابة حبسهم 15 يومًا على ذمة القضية رقم 7648 لسنة 2024 إداري سمنود.

 

وفي مطلع سبتمبر، أُخلي سبيل 7 منهم، بينما استمر حبس البنا، قبل أن تقرر نيابة طنطا الكلية إخلاء سبيله بشكل مفاجئ، ليُفصل بعدها تعسفيًا من عمله بالشركة.

 

شركة من العام إلى الخاص

 

وتأسست شركة سمنود للنسيج والوبريات عام 1974 بمحافظة الغربية، وكانت تتبع في الأصل شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة، وتوزعت أسهمها بين هيئات حكومية عدة، من بينها مصر للتأمين وهيئة التأمينات الاجتماعية وهيئة الأوقاف المصرية.

 

لكن في عام 2015، نجح المساهمون في تسجيل الشركة وفقًا لقانون الاستثمار، لتتحول من شركة تابعة لقطاع الأعمال العام إلى شركة قطاع خاص، مع امتلاك بنك الاستثمار العربي للنسبة الأكبر من أسهمها.