تشهد سوق الألبان في مصر تحولات حادة جعلت كوب اللبن اليوم رمزًا لاختلال أوسع في بنية الاقتصاد وحماية المستهلك. فبين أسعار تتفاوت من 40 إلى 55 جنيهًا للكيلوغرام، وقفزات تجاوزت 100% في الألبان المعبأة خلال عامين فقط، وسوق سائبة تعجّ بالغش والممارسات غير المنضبطة، يقف المواطن محاصرًا بين تراجع القدرة الشرائية، وغياب رقابة حقيقية، وسياسات حكومية تتحدث عن تحسين السلالات والإنتاج، بينما يعجز كثير من الأسر عن شراء لتر لبن يومي واحد لأطفالها.
فجوة أسعار فاضحة بين الريف والمدينة.. والمستهلك هو الحلقة الأضعف
المسح الذي أجرته منصة "العربية Business" يكشف صورة سوق منقسمة إلى عالمين: في الريف، يتراوح سعر كيلو اللبن السائب بين 40 و50 جنيهًا من الأبقار والجاموس، مدعومًا بقرب المربين الصغار من المستهلك، وانخفاض تكاليف النقل. أما في المدن والمناطق الحضرية، فيقفز السعر إلى ما بين 50 و55 جنيهًا، مع فروق تصل أحيانًا لأكثر، رغم أن المنتج نفسه في جوهره حليب خام يفترض أنه متشابه في القيمة الغذائية.
يقول إبراهيم النادي، رئيس شركة "ماس" لتجارة الثروة الحيوانية ومنتج الألبان، إن أغلب الكميات المتداولة من الألبان السائبة في السوق المصرية هي من ألبان الجاموس، بينما يتم توجيه الجزء الأكبر من ألبان الأبقار إلى المصانع الكبرى لإنتاج الألبان المعبأة ومنتجات الجبن. هذه النقطة وحدها تفضح خلل المنظومة: أفضل اللبن البقري، الذي يُفترض أن يصل للمستهلك بسعر مناسب وجودة مستقرة، يُسحب لصالح المصانع، ويُترك المواطن في السوق المفتوحة يواجه لبنًا سائبًا يتفاوت في الجودة، ويتعرض في كثير من الأحيان للغش دون رقيب فعلي.
وبحسب بائعين في متاجر التجزئة، لا يتوقف تفاوت الأسعار عند حدود الجغرافيا، بل يرتبط أيضًا بطبيعة المنتج نفسه: خام كامل الدسم، مخفف، أو مخلوط بين أبقار وجاموس. هذا التشظّي في الجودة والسعر يعكس غياب منظومة تسعير ورقابة موحدة، ويحوّل المستهلك البسيط إلى "ضحية مثالية" لسوق لا يعرف فيها أين يبدأ اللبن وأين ينتهي الغش.
غش وخلط وتخفيف بالماء.. وسلسلة الإمداد تعمل ضد صحة المواطن
في قلب هذه الفوضى، يقرّ أحمد عبد الرحيم، مدير إحدى سلاسل السوبرماركت متوسطة الحجم في مدينة السادس من أكتوبر، بأن جزءًا كبيرًا من المشكلة يعود إلى ممارسات غير منضبطة من البائعين. فبعضهم يلجأ إلى خلط ألبان الأبقار – الأرخص تكلفة – بألبان الجاموس، لتعظيم هامش الربح مع بيع المنتج على أنه "لبن جاموسي كامل الدسم". آخرون يتجهون إلى تخفيف اللبن بالماء، في اعتداء مزدوج على حق المستهلك في الجودة، وعلى صحة أطفال يشربون سوائل منزوعة القيمة الغذائية.
يقول عبد الرحيم بوضوح: "لا أبيع سوى لبن الجاموس، ويبلغ سعر الكيلو نحو 35 جنيهًا، وأرى أن من يبيع الكيلو بأقل من 30 جنيهًا قد يكون خلطه بالماء أو بألبان الأبقار". في المقابل، يضيف إبراهيم النادي أن لبن الجاموس يتميز بقوام أكثر كثافة نتيجة ارتفاع نسب الدهون والقيمة الغذائية، في حين يميل لبن الأبقار إلى الاصفرار الخفيف والسيولة الأعلى، وهو ما يعني أن أي مستهلك لا يجد هذه المواصفات قد يكون أمام منتج مغشوش، لكن من يحميه إن لم يكن هناك جهاز رقابي نشط وفحوص دورية ملزمة؟
صورة السوق تصبح أكثر قتامة عند النظر إلى الألبان المعبأة: أسعار العبوة اليوم تتراوح بين 55 و60 جنيهًا، وفقًا للعلامة التجارية، بعد أن كانت في حدود 25–26 جنيهًا عام 2023، أي أن الزيادة تخطت 100% في فترة وجيزة. هذه القفزة لا يمكن تبريرها فقط بارتفاع تكلفة التشغيل أو النقل أو خامات التعبئة؛ بل تعكس منظومة تسعير تسمح للمصانع الكبرى بهوامش ضخمة، دون حماية حقيقية للمستهلك أو ربط بين الدعم والتحكم في الأسعار الأساسية.
النتيجة أن الأسر الفقيرة والمتوسطة باتت بين خيارين أحلاهما مرّ: لبن سائب معرض للغش بسعر "أقل ظاهرًا" لكنه غير مضمون صحيًا، أو لبن معبأ بأسعار تضرب ميزانية البيت في مقتل. في كلا الحالتين، الدولة الغائبة عن تنظيم السوق هي الشريك الصامت في هذه الجريمة اليومية بحق صحة المصريين.
إنتاج ينمو.. لكن حصة المواطن أقل بكثير من المتوسط العالمي
على المستوى الكلي، لا تبدو الأرقام الرسمية مطمئنة كما تحاول الحكومة أن توحي. فبحسب بيان وزارة الزراعة، سجل إنتاج مصر من الألبان العام الماضي نحو 7 ملايين طن، مقابل 6.5 مليون طن في العام السابق، بنسبة نمو تقارب 8%. الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يوضح أن 80% من الإنتاج يأتي من ألبان الأبقار (حوالي 5.2 مليون طن)، و20% من ألبان الجاموس (نحو 1.3 مليون طن)، مع إنتاج محدود من ألبان الماعز لا يتجاوز 26 ألف طن.
يقول طارق سليمان، رئيس قطاع الإنتاج الحيواني بوزارة الزراعة، إن السوق تعتمد أساسًا على صغار المربين الذين يسهمون بنحو 70% من إجمالي الإنتاج، بينما لا تتجاوز مساهمة المزارع الكبيرة والمنظمة – وعددها حوالي 250 مزرعة – نسبة 30%. هذا يعني أن العمود الفقري لإنتاج اللبن في مصر هو مربي صغير يواجه وحده تقلبات الأعلاف، وارتفاع تكلفة الرعاية البيطرية، وغياب منظومة تجميع عادلة، ليبيع في النهاية لتجار جملة أو مصانع تفرض شروطها، بينما يحصل المستهلك على منتج غالي الثمن وغير مستقر الجودة.
سليمان يشير أيضًا إلى برامج التحسين الوراثي التي تعتمد على تهجين السلالات المستوردة عالية الإنتاجية مع السلالات المحلية، للوصول إلى سلالات "مُمصَّرة" بإنتاجية أعلى وكفاءة صحية أفضل. الأرقام تبدو واعدة على الورق:
العجول المحسنة يصل معدل التحويل لديها إلى 1.5 كغ يوميًا، مقابل 700 غ فقط للسلالات المحلية.
متوسط إنتاج اللبن اليومي في السلالات المحسنة يتراوح بين 20 و25 كغ، مقابل 7 كغ فقط لغير المطورة.
لكن الخبير في اقتصاديات الغذاء وسلاسل الإمداد د. حسين عبد العزيز (كمثال لخبراء القطاع الأكاديميين والاقتصاديين) يشير، في تحليلات منشورة، إلى أن هذه الزيادات في الإنتاجية لا تنعكس تلقائيًا على توافر اللبن بأسعار عادلة أو تحسين نصيب الفرد، ما دام هيكل السوق نفسه مختلًا، وما دامت حلقات الوسطاء والمصانع الكبرى تبتلع الجزء الأكبر من القيمة المضافة.
سليمان himself يقدّر نصيب الفرد السنوي من الألبان في مصر بنحو 63.6 لترًا، مقابل متوسط عالمي يبلغ حوالي 100 لتر، ما يعني أن المصري يحصل على أقل من ثلثي ما يحصل عليه المواطن العادي في العالم، رغم أن بلده يعلن عن نمو في الإنتاج وتحسين في السلالات. الفجوة هنا لا تفسَّر إلا بأمرين: غياب عدالة التوزيع، وتركيز المنتج في يد قلة تتحكم في السعر والاتجاه.
في النهاية، سوق الألبان في مصر ليست مجرد ملف "سلعة غذائية"؛ إنها مرآة لاقتصاد يُترَك فيه صغار المربين وحدهم في مواجهة التكاليف، والمستهلك وحده في مواجهة الغلاء والغش، بينما تستفيد قلة من التجار والمصانع من غياب الرقابة، وتكتفي الحكومة بخطاب التحسين الوراثي والأرقام الرسمية. كوب اللبن الذي كان رمزًا للغذاء البسيط أصبح اليوم اختبارًا يوميًا لمدى عدالة الدولة وقدرتها على حماية أبنائها… والنتيجة حتى الآن ليست في صالحها.

