بعد ثلاثة عشر عامًا على انقلابه العسكري على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، ظهر عبد الفتاح السيسي في ذكرى ثورة 25 يناير، متحدثًا عن “الدم” و”الخطر” و”حماية الدولة”، وكأنه لم يكن هو نفسه مهندس الانقلاب ولا الرجل الذي جرى كل هذا الدم في عهده.

خطاب السيسي في احتفال “عيد الشرطة” لم يكن مجرد كلمة بروتوكولية؛ بل محاولة فجة لإعادة إنتاج رواية رسمية مهترئة عن أحداث 2013، ولتبرئة الذات من سجل دموي لم تشهد مصر له مثيلًا في تاريخها الحديث، بينما مئات الآلاف من الضحايا بين قتيل ومعتقل ومطارد ما زالوا يدفعون ثمن تلك اللحظة.

 

في كلماته، حاول السيسي تحميل الإخوان المسلمين كامل المسؤولية عن الفوضى والعنف، مدّعيًا أنه كان مستعدًا للذهاب إلى الانتخابات لو قبلوا بذلك، متناسيًا أنه هو من قاد انقلابًا عسكريًا على الرئيس المنتخب محمد مرسي، ثم سجنه وتركه يموت داخل محبسه في ظروف تصفها منظمات دولية بأنها أقرب إلى “القتل البطيء”. هكذا، بدا الخطاب كرسالة دفاع متأخرة من متهم أمام محكمة التاريخ، أكثر منه خطاب رئيس واثق من شرعيته.

 

رواية مقلوبة: من الانقلاب إلى ادعاء الحرص على الصندوق

 

كيف يمكن لرجل وصف الرئيس المنتخب من قبل بـ”الجاسوس” و”الخطر على الوطن”، أن يخرج اليوم مدّعيًا أنه كان مستعدًا للسماح له بخوض انتخابات جديدة؟ كيف يتحدث عن احترام المسار الديمقراطي بينما الانقلاب سبق أي مسار سياسي، والرصاص سبق أي صندوق اقتراع؟

 

السيسي يقدّم رواية مقلوبة تمامًا: يختزل مشهد 2013 في صراع مع جماعة سياسية، ويتجاهل أن ما جرى كان كسرًا لإرادة شعب خرج في 2012 ليختار رئيسه لأول مرة في انتخابات تنافسية حقيقية. يتحدث عن “إرادة الشعب” وهو الذي أدار، لاحقًا، استفتاءات وانتخابات بلا منافسين حقيقيين، وبنسب مشاركة ونتائج مثيرة للسخرية، في ظل إعلام أحادي وصوت معارض مخنوق.

 

الحديث عن “لو قبلوا بالانتخابات لأجريناها” يستفز ذاكرة ملايين المصريين الذين شاهدوا، خطوةً خطوة، انتقال الجيش من موقع “الضامن” المزعوم للمسار الديمقراطي إلى موقع الخصم والحَكَم والمنفذ، حتى انتهى الأمر برئيس منتخب داخل قفص الاتهام، ثم داخل قبر بلا تحقيق مستقل ولا محاسبة.

 

الواقع الذي يحاول الخطاب القفز فوقه أن مجزرة الحرس الجمهوري، ثم أحداث المنصة، ثم رابعة والنهضة، ورمسيس وسيدي جابر وسموحة وغيرها، لم تكن “تفاصيل جانبية”، بل كانت الإعلان العملي عن نهاية السياسة وبداية حكم الرصاصة، حيث جرى سحق المعارضين في الشوارع والميادين، قبل أن تُغلق أبواب السجون عليهم لسنوات طويلة.

 

عيد شرطة أم عيد قمع؟

 

اختار السيسي أن يطلق هذا الخطاب من على منصة الاحتفال بعيد الشرطة، المؤسسة التي كان أداؤها القمعي أحد أبرز أسباب انفجار ثورة 25 يناير 2011. الرسالة واضحة: النظام يحتفل بأداته الأمنية في اليوم نفسه الذي حاول فيه المصريون قبل 15 عامًا كسر جبروتها.

 

حين يقول السيسي إن الشرطة “تحمي الدولة لا النظام”، يرد عليه واقع عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، وآلاف حالات الإخفاء القسري، ومنع السفر، ومصادرة الأموال، وإغلاق المجال العام، وتجريم أي صوت خارج السرب. أي “دولة” تحميها شرطة تقف في مواجهة طلاب جامعات، وصحفيين، وأطباء، ومعارضين سلميين، بينما تُترك شبكات الفساد والنهب تعيث في الأرض بلا حساب؟

 

الشرطة التي يجري الاحتفاء بها اليوم هي ذاتها التي داهمت البيوت في الفجر بحثًا عن منشور فيسبوك، واعتقلت شبانًا وفتيات لأنهم رفعوا لافتة أو هتفوا في وقفة صامتة، وهي نفسها التي شاركت، بالصمت أو بالتواطؤ، في تغطية أكبر عملية قتل جماعي لمتظاهرين سلميين في رابعة والنهضة دون أن يُقدّم مسؤول واحد للمحاكمة.

 

المفارقة الفادحة أن النظام الذي يزعم أنه “صحح مسار ثورة يناير” جعل من يوم 25 يناير عيدًا رسميًا للشرطة، بينما حوّل أصحاب هذه الثورة إلى “متهمين” و”عملاء” و”إرهابيين”، وأعاد البلاد إلى ما هو أسوأ من لحظة ما قبل 2011: استبداد أكثر خشونة، وفساد أكثر وقاحة، وفقر أكثر اتساعًا.

 

“لن أقابل ربنا بدم”.. حين يتكلم من غرق حتى عنقه في الدم

 

العبارة التي كررها السيسي – “لن أقابل ربنا بدم” – أشعلت غضبًا واسعًا على منصات التواصل. فالرجل الذي يتحدث عن الخوف من لقاء الله بالدم هو نفسه المسؤول السياسي الأول عن مجازر وثّقتها منظمات حقوقية دولية ومحلية باعتبارها أوسع عمليات قتل جماعي لمتظاهرين سلميين في تاريخ مصر الحديث.

 

لم يُفتح تحقيق واحد حقيقي في مجزرة رابعة، ولا في غيرها من ساحات الدم. لم تُشكّل لجنة مستقلة، ولم يُستدعَ وزير داخلية واحد، أو قائد أمني واحد، أو مسؤول سياسي واحد للإجابة عن سؤال بسيط: من أمر بإطلاق الرصاص؟ من خطط؟ من نفّذ؟ من أعطى الضوء الأخضر لسحق الاعتصام حتى آخر جثة؟

 

حين يتحدث السيسي عن “الدم”، لا يستدعي الضحايا، بل يستدعي خوفه من التاريخ. يعرف الرجل أن هذا الملف لم يُغلق، وأن صور الجثث المتفحمة، والمصابين الذين يُجهز عليهم في الميدان، والأمهات اللواتي لم يجدن قبرًا لدفن أولادهن، لن تمحوها كاميرات الإعلام الرسمي ولا لجان الترويج الإلكتروني.

 

أما حديثه عن “الوعي” وضرورة إشراك الشباب في مؤسسات الدولة، فيراه معارضون ليس إلا محاولة لصناعة جيل مُدجَّن، لا يعرف من السياسة إلا ما تسمح به “الأكاديمية الوطنية” وغرف الأجهزة الأمنية. وعيٌ يُراد له أن يكون طاعةً عمياء، لا سؤالًا ولا محاسبة، وانتماءٌ يُراد له أن يكون خضوعًا لا مشاركة.

 

في بلدٍ يمتلئ بسجون الرأي، وإعلامٍ مكمم، واقتصادٍ ينهار تحت وطأة الديون والفساد، يصبح الحديث عن “الوعي” و”الانتماء” مجرد سخرية سوداء. لا يمكن بناء انتماء حقيقي في ظل خوفٍ عام، ولا صناعة وعي في ظل دولة تُعامل مواطنيها كمتهمين محتملين ما لم يثبت ولاؤهم الكامل للحاكم.

 

في المحصلة، خروج السيسي اليوم بعد ثلاثة عشر عامًا ليعيد فتح ملف 2013 ليس دليل ثقة ولا استقرار، بل علامة قلق. قلق من تاريخ لم يُمحَ، ومن ثورة لم تمت، ومن ذاكرة شعبية تعرف جيدًا من انقلب، ومن قتل، ومن أفلت من الحساب.

 

من يحتاج إلى تبرير ماضيه بهذا الإلحاح، هو في العمق يعترف بأن هذا الماضي لم يُحاسَب بعد… وأن باب العدالة، مهما طال الإغلاق، لن يبقى موصدًا إلى الأبد.