يبدو أن محاولة سحب اختصاصات القضاة في التعيينات والترقيات، ومنح صلاحياتهم إلى الأكاديمية العسكرية نكأت الجراح، وكسرت حاجز الصمت من جانب "سدنة العدالة"، بعد أن استشعروا بالانتقاص من هيبتهم في نظر الموالين للسلطة قبل معارضيها. 

 

وقد برزت العديد من التعليقات على منصات التواصل الاجتماعي التي حملت قدرًا من الشماتة تجاة القضاة.

 

وعلق المحامي طارق العدوي عبر حسابه في موقع "فيسبوك"، قائلاً: "دي خناقة كبار مع بعضيهم .. ملناش دعوة يا موهي".

 

أسباب الخلاف النادر 

 

الخلاف النادر صعد إلى السطح في أعقاب تسريبات مؤكدة عن إلغاء جميع مقابلات التفتيش القضائي الخاصة بتعيينات النيابة العامة، وإسناد إجراءات التعيين والترقية إلى الأكاديمية العسكرية، مع إلزام المتقدمين للنيابة العامة بالخضوع لدورات تدريبية لمدة ستة أشهر باعتباره شرطًا أساسيًا للتعيين.

 

كما تضمنت القرارات المتداولة، إلغاء دور مجلس القضاء الأعلى في التعيينات والترقيات، وإلغاء إدارة التعيينات بمكتب النائب العام، وقصر الترقيات مستقبلاً على من يجتاز دورات إضافية بالأكاديمية العسكرية، مع بدء تطبيق النظام الجديد اعتبارا من العام المقبل.

 

وعلى الرغم من أن القضاة في البيان الصادر عن اجتماعهم الطارئ الأربعاء بنادي قضاة مصر قد تحاشوا الإشارة إلى ذلك علنًا، إلا أنهم وصفوا ما يتردد من معلومات عن سحب صلاحيات أصيلة من القضاة للأكاديمية العسكرية بأنه "أمر جسيم"، وأعلنوا أنهم في اجتماع دائم لحين عقد جمعية عمومية طارئة في السادس من فبراير المقبل.

 

شرابي: السيسي وضع نفسه على رأس السلطة القضائية

 

إلا أنه من غير المرجح أن ينجح القضاة في إجبار قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي على التراجع عن محاولته إسناد صلاحيات القضاة إلى الأكاديمية العسكرية، كما ذهب إلى ذلك، ‏‏‏‏المستشار وليد شرابي، مؤسس حركة قضاة من أجل مصر.

 

وقال شرابي عبر حسابه في منصة "إكس": "لا يوجد في مصر نادي قضاة يملك الدفاع عن استقلال السلطة القضائية. السيسي عدل قانون السلطة القضائية ووضع نفسه رئيسًا على تلك السلطة".


وأضاف: "الحديث عن أي دور لنادي القضاة لمحاولة منع تولي العسكر سلطة التعيين داخل القضاء عبث وتضليل واستدعاء لمشهد من التاريخ لتجميل حكم ديكتاتوري قبيح".
 

    

استقلال القضاء والاستقلال بالقضاء

 

بينما فرق المحامي والمرشح الرئاسي الأسبق، خالد علي بين استقلال القضاء" و"الاستقلال بالقضاء".

 

وقال عبر حسابه في "فيسبوك": "استقلال القضاء يعني أن يكون القضاء سلطة مستقلة بذاتها، لا تخضع في أحكامها أو في تنظيم شؤونها لأي تدخل من السلطتين التنفيذية أو التشريعية أو من أي جهة أخرى". 

 

وأوضح أن هذا الاستقلال يشمل عدة أبعاد، من أبرزها:

 

الاستقلال المؤسسي: بحيث يكون للقضاء ميزانيته الخاصة، وإدارته الذاتية، ونظامه المستقل في تعيين القضاة وترقيتهم وتأديبهم.

 

الاستقلال الوظيفي: أي أن القاضي لا يخضع إلا للقانون وضميره المهني عند الفصل في النزاعات، دون ضغط أو توجيه أو تهديد.

 

الاستقلال الشخصي للقاضي: من خلال ضمانات عدم العزل التعسفي، والاستقرار الوظيفي، والحصانة القضائية.

 

أما الاستقلال بالقضاء، فقد وصفه علي بأنه "تعبير يحمل دلالة سلبية، ويقصد به استخدام القضاء كأداة لتحقيق سلطة لفئة أو نظام أو جماعة، تحت غطاء الأحكام القضائية أو باسم القانون. وفي هذه الحالة لا يكون القضاء مستقلًا بحق، بل يتم توظيفه أو تسييسه لخدمة أهداف معينة".

 

المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة: لا يوجد نفي رسمي

 

من جهتها، أعربت مؤسسة دعم العدالة بالمركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، عن قلقها وانزعاجها الشديدين بشأن الأخبار المتداولة عن صدور توجيهات من السلطة التنفيذية بشأن السعي الى إلغاء مكتب تعيينات القضاة بمكتب النائب العام، وتولّي الأكاديمية العسكرية شئون التدريب والتعيين لمعاونى النيابة الجدد، إلى جانب ملف الترقيات بالقضاء.

 

وقالت في بيان إن "يزيد من حدة هذا القلق، أن تلك الأنباء لم يبادر إلى نفيها أية جهة رسمية حتى كتابة هذا البيان".

 

وفيما أشارت إلى أن القضاة وباعتبارهم المكلفون باتخاذ القرار الأخير بشأن حياة المواطنين وحرياتهم وحقوقهم وواجباتهم وممتلكاتهم وفقًا لمبادئ الأمم المتحدة بشأن السلطة القضائية، أكدت أن "استقلال القضاء ليس شأنا خاصًا بهم أو بحقوقهم، بل أنه شأن يمس حقوق المواطنين وحرياتهم الأساسية وممتلكاتهم الخاصة والعامة".

 

وحذرت المؤسسة من أن "أي محاولة لإخضاع المسائل المتعلقة بالتدريب أوالتعيين أوالترقية للقضاة إلى أي مؤسسة تتبع السلطة التنفيذية يعد هجومًا خطيرًا على العدالة، وانتهاكًا صارخًا لمبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، التي حرّمت أية تدخلات غير لائقة، أو مبررة في الإجراءات القضائية ( مادة 4)".

 

وشددت على حقهم فى تكوين روابطهم التى تمثل مصالحهم والنهوض بتدريبهم المهنى وحماية إستقلالهم ( مادة 9)، واعتبرت القرار كذلك مخالفًا لبنود إعلان بيروت للعدالة وإعلان القاهرة لاستقلال القضاء فب المنطقة العربية.

 

واعتبرت المؤسسة أن "تلك الممارسات المعلن عنها، تعد تدخلاً في شئون العدالة منهي عنها، بموجب أحكام الدستور المصري خاصة المادة 184، والتي تنص على أن (السلطة القضائية مستقلة، تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفقًا للقانون، ويبين القانون صلاحياتها، والتدخل في شئون العدالة أو القضايا، جريمة لا تسقط بالتقادم".

 

ورأت المؤسسة أن "هذا المسار التصاعدي لإنتهاك مبدأ إستقلال القضاء في مصر ( وهو ما سبق وحذرنا منه)، قد جاء نتيجة طبيعية للممارسات غير المسبوقة في السنوات الماضية، والتي تمثلت في قبول أعضاء المجالس القضائية العليا، تعريض أعضائها لتلقي دورات تدريبية تكوينية في الأكاديمية العسكرية التابعة للسلطة التنفيذية، وهو الأمر الذي يجب أن يتوقف فورًا دون قيد أو شرط، من أجل ضمان استقلال السلطة القضائية، وضمان حقوق المواطنين في الإنصاف والعدالة".