نشرت الجريدة الرسمية توجيهًا/تنظيمًا جديدًا مرتبطًا بتطبيقات قانون الإجراءات الجنائية، يستهدف الحد من مشكلة تشابه الأسماء والخلط بين المتهمين في القضايا الجنائية، عبر إلزام مأموري الضبط القضائي بإثبات بيانات الرقم القومي فور تحديد هوية المتهم، وإرفاق مستخرج رسمي بهذه البيانات ضمن محاضر الضبط، مع التشديد على أن تتضمن أحكام الإدانة بيانات تعريفية كاملة وعلى رأسها الرقم القومي.
القرار جاء، وفق ما نُشر، استجابة لمشكلات عملية متكررة: أسماء ثلاثية متشابهة، أو تعدد متهمين في نفس الواقعة، أو تشابه كامل في الاسم يؤدي إلى التباس في المحاضر، ثم ينتقل الالتباس إلى مراحل لاحقة من التحقيق أو المحاكمة قبل أن يُكتشف متأخرًا.
الرقم القومي كحل عملي: لماذا يغيّر هذا الإجراء مسار القضايا؟
فكرة الاعتماد على الرقم القومي ليست جديدة اجتماعيًا، لكنها جديدة هنا باعتبارها شرطًا إجرائيًا إلزاميًا داخل محضر الضبط، لا مجرد “بيانات مساعدة”. فحين يُربط الإجراء الجنائي برقم قومي محدد، تقل مساحة الخطأ التي يخلقها الاسم وحده، خصوصًا في بيئات تشابه الأسماء فيها شائع.
المنطق بسيط: الاسم قد يتكرر عشرات المرات، لكن الرقم القومي يفترض أن يكون علامة تعريف فريدة. هذا ينعكس على نقاط كثيرة داخل مسار العدالة:
- تقليل احتمالات صدور أوامر ضبط/إحضار أو استدعاءات على الشخص الخطأ.
- تقوية قيمة المحضر أمام النيابة والقضاء لأنه يوثق الهوية بدقة أعلى.
- تقليل النزاعات التي تقوم لاحقًا على “الالتباس” وما يستتبعه من طعون وتعطيل.
لكن نجاح هذا التحول مرهون بتفصيلة شديدة الحساسية: سهولة التحقق الفوري من الهوية في الميدان، لأن النص وحده لا يمنع الأخطاء إذا ظلت أدوات التحقق غير متاحة أو بطيئة أو معطلة.
نطاق التطبيق: من هم مأمورو الضبط المشمولون ولماذا اتسع النطاق؟
بحسب ما تم تداوله في التغطيات، فإن نطاق مأموري الضبط القضائي المقصودين لا يقتصر على ضباط الشرطة فقط، بل يمتد ليشمل فئات متعددة داخل وزارة الداخلية (ضباط/أمناء/مساعدين/مندوبي شرطة) وقطاعات مثل الأمن العام، وشرطة النقل والمواصلات، وكذلك جهات أخرى وفق الاختصاص مثل مباحث السياحة ومفتشي السياحة.
هذا الاتساع له وجهان:
وجه إيجابي: لأن محاضر الضبط تُكتب في مواقع وقطاعات متنوعة، ومن ثم فإن معالجة “تشابه الأسماء” يجب أن تكون شاملة حتى لا تصبح الفكرة محصورة في نوع واحد من القضايا.
وجه تحدّي: لأن اتساع دائرة المكلّفين بالإجراء يعني تضاعف الحاجة إلى تدريب واضح، ونماذج موحدة، وآلية تدقيق داخلية تمنع أن يتحول “الإلزام” إلى مجرد خانة تُملأ بصورة شكلية أو تُترك فارغة عند الزحام.
كما أن بعض المصادر ربطت بدء التطبيق بالإطار الزمني المرتبط بالعام القضائي الجديد، بما يعني أن التنفيذ العملي قد يكون مُرحّلًا إلى موعد محدد وليس لحظيًا في كل الحالات.
الأثر القانوني والعملي: مكاسب متوقعة وأسئلة لا بد أن تُجاب
من الناحية القانونية، من المتوقع أن يساهم الإجراء في تقليل الطعون والدفوع المتعلقة بسلامة المحاضر وصحة نسبة الإجراء لشخص بعينه، كما قد يسرع إجراءات التحقيق والفصل في بعض النزاعات التي كانت تتعطل بسبب أخطاء تعريفية.
لكن على الأرض، هناك أسئلة حاسمة ستحدد ما إذا كان القرار سيُحدث فرقًا حقيقيًا أم سيظل عنوانًا جيدًا:
كيف يُستخرج “المستخرج الرسمي” بسرعة؟ وهل سيكون هناك ربط إلكتروني آمن يتيح لمأمور الضبط إرفاق ما يلزم دون تعطيل؟
ماذا عن الحالات التي لا يحمل فيها الشخص بطاقة؟ أو يدّعي بيانات غير صحيحة؟ هنا تحتاج المنظومة إلى إجراءات تحقق واقعية تمنع أن يتحول الرقم القومي إلى “بيان يُكتب” لا “هوية تُثبت”.
حماية البيانات: إدراج الرقم القومي وإرفاق مستخرج رسمي داخل محاضر قد يتداولها أكثر من طرف يرفع من حساسية الخصوصية، ما يستدعي قواعد صارمة لمنع تسريب البيانات أو إساءة استخدامها، مع مساءلة واضحة عند المخالفة.
خطوة مهمة.. إذا تحولت من نص إلى ممارسة منضبطة
قرار إلزام إثبات الرقم القومي وإرفاق مستخرج رسمي ضمن محاضر الضبط يعالج ثغرة واقعية قديمة: خلط الأسماء وما ينتج عنه من ضرر بالغ قد يبدأ من محضر ثم يتوسع إلى مسار قضائي كامل.
لكن القيمة الحقيقية للقرار لن تظهر في الجريدة الرسمية، بل في تفاصيل التنفيذ: تدريب مأموري الضبط، توحيد النماذج، توفير أدوات تحقق سريعة وآمنة، وضمانات لحماية البيانات. إذا توافرت هذه العناصر، يمكن للقرار أن يرفع دقة الإجراءات ويقلل الأخطاء التي تكلّف الناس وقتًا وسمعةً وأعصابًا. وإذا غابت، فقد يتحول الإلزام إلى إجراء شكلي جديد يضاف إلى الأوراق دون أن يمنع الالتباس فعليًا.

