لم يعد الجدل في مصر يدور فقط حول جودة أداء النواب، بل حول من يُمسك بمفتاح تشغيل البرلمان وإيقافه.
فقرار رفع جلسات مجلس النواب دون تحديد موعد واضح للعودة، بزعم “أسباب تنظيمية” مرتبطة ببرنامج تدريبي في الأكاديمية الوطنية للتدريب وبمشاركة جميع الأعضاء فتح سؤالًا أخطر من التدريب نفسه: هل نحن أمام خطوة تطوير مؤسسي، أم سابقة تُخضع السلطة التشريعية لمسار تُحدده السلطة التنفيذية الرئاسة؟
مصادر برلمانية وإعلامية ربطت رفع الجلسات مباشرة بانطلاق برنامج تدريبي للنواب الجدد يبدأ يوم الأربعاء 21 يناير 2026 ويتوزع بين مقر الأكاديمية في الشيخ زايد ومقر المجلس بالعاصمة الإدارية، على أيام محددة حتى نهاية الشهر.
وفي السياق ذاته، نُشر أن رفع الجلسات “دون تحديد موعد” لا يعني حل البرلمان، وفق تصريح لعضو بالمجلس ردّ على شائعات متداولة.
من “تنظيم إداري” إلى تعطيل سياسي: البرلمان يتوقف… لأن هناك دورة!
التدريب، في ذاته، مفهوم طبيعي في البرلمانات الحديثة: تعريف باللائحة، مسار التشريع، أدوات الرقابة، إدارة الجلسات، بناء المكاتب الفنية… لكن ما حدث هنا مختلف: البرلمان لم يبدأ العمل ثم يُدرّب أعضاءه بالتوازي؛ بل توقف عمليًا كي “يتدرب”. هذا منطق مقلوب: مؤسسة منتخبة تُعطل وظيفتها الأساسية التشريع والرقابة لتذهب إلى “تأهيل” خارج إيقاع العمل.
والأخطر من التوقف هو الرسالة الضمنية: أن المجلس لا يملك ترتيب أولوياته بنفسه، وأن انعقاده مرهون بـ“برنامج” يُصمم ويُدار خارج بنيته المؤسسية. حتى التغطيات التي قدّمت الأمر باعتباره “تدريبًا على الإطار القانوني والدستوري وآليات الرقابة” تُقر ضمنيًا بأن التشغيل الحقيقي للمجلس صار مرتبطًا بمسار تدريبي محدد.
هنا يتحول التدريب إلى ذريعة لتعليق الإرادة البرلمانية: عندما تريد الدولة تهدئة الضجيج، تُعلّق الجلسات؛ وعندما تريد تمرير وقت حساس، تضع المجلس في “معسكر تدريب”.
سابقة تمتد من الشيوخ إلى النواب: “التأهيل” كآلية ضبط لا كخدمة مؤسسية
اللافت أن الأمر لم يبدأ مع النواب فقط. فقد أعلنت وسائل إعلام رسمية أن الأكاديمية الوطنية للتدريب اختتمت في 2 ديسمبر 2025 برنامجًا “هو الأول من نوعه” لأعضاء مجلس الشيوخ الجدد، ونُظم بين مقر الأكاديمية ومجلس الشيوخ.
ثم تكرر النموذج الآن مع مجلس النواب: برنامج مركزي، مسارات محددة، وتغطية إعلامية تُقدّمه كـ“محطة فارقة”.
من زاوية نقدية، الإشكال ليس في أن النواب أو الشيوخ يتعلمون. الإشكال في الجهة والرمزية: حين يصبح “تأهيل السلطة التشريعية” عبر كيان يُقدَّم عادة كأداة من أدوات الدولة التنفيذية/الرئاسة، تُصبح الصورة أقرب إلى “إعادة تشكيل وعي النواب” لا مجرد تدريب فني.
التدريب البرلماني الطبيعي يفترض أن يقوده خبراء مستقلون، وأمانة عامة محترفة، ومراكز بحثية محايدة، وأن يخضع لمعايير شفافة ومعروفة، لا أن يتحول إلى بوابة عبور إجبارية تُستخدم لتدجين الأغلبية، أو لتوحيد الخطاب، أو لترويض أي اختلاف مبكر.
ولهذا يصف كثيرون الأمر بأنه سابقة تاريخية: ليس لأن التدريب لم يحدث في العالم، بل لأن التدريب هنا جاء مقرونًا بتعطيل الجلسات وبمنطق “الوصاية”: كأن البرلمان لا يُسمح له أن يعمل قبل أن “يتخرج” من دورة تُدار خارج تقاليده ومؤسساته.
أين الدستور من كل ذلك؟ استقلال السلطات تحت اختبار “الدورة الإلزامية”
القول بأنه “غير دستوري” يحتاج حكمًا قضائيًا أو نصًا محددًا يُستند إليه، لكن من المؤكد أن ما جرى يثير إشكالًا دستوريًا-سياسيًا يتعلق بروح الدستور قبل مواده: مبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ أن البرلمان يضع أجندته ويباشر اختصاصاته دون تبعية فعلية للسلطة التنفيذية.
حين تُعطل الجلسات لأن “كل الأعضاء” ذاهبون إلى تدريب، فأنت عمليًا تقول للمواطن:
- الرقابة على الحكومة مؤجلة.
- التشريعات المؤثرة على الناس مؤجلة.
- ملفات الأسعار والضرائب والدين العام والإنفاق… مؤجلة
وفي بلد تُدار فيه السياسات الاقتصادية بالقرارات السريعة، يصبح تعطيل البرلمان غالبا لأيام تكلفة مباشرة على المجال العام: لا مساءلة، ولا شفافية، ولا منصة رسمية لطرح الأسئلة.
صحيح أن هناك من حاول تهدئة المخاوف بالقول إن رفع الجلسات دون موعد لا يعني حل البرلمان، لكن المشكلة ليست “الحل”، بل تعطيل الوظيفة..
برلمان يبدأ تابعًا سيظل ضعيفًا
وأخيرا.. إذا كان الهدف هو تحسين الأداء، فالأجدر أن يكون التدريب جزءًا من عمل المجلس لا سببًا لتعطيله، وأن يكون التدريب داخليًا مستقلًا لا يحمل شبهة “التوجيه من أعلى”.
أما أن تُوقف المؤسسة التشريعية لأن هناك دورة، فهذا يؤسس لمعادلة خطيرة: البرلمان يتحرك عندما يُسمح له، ويتوقف عندما يُطلب منه.
هنا يأتي نقد “حكومة الانقلاب” في جوهره: السلطة التنفيذية لا تكتفي بإدارة الدولة، بل تريد إدارة البرلمان نفسه جدوله، إيقاعه، وحتى “طريقة تفكيره”.
والنتيجة برلمان يبدأ بالتعطيل ويُفتتح بالوصاية: لن يكون قادرًا على الرقابة الحقيقية، لأن أول درس تلقاه عمليًا هو أن وظيفته قابلة للإيقاف “لأسباب تنظيمية”، وأن استقلاله ليس أصلًا ثابتًا بل امتيازًا مؤقتًا.

