نظم عمال شركة «مطاحن مصر الوسطى» بقطاع أسيوط، اليوم الأحد، وقفة احتجاجية جديدة للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور مع مراعاة التدرج الوظيفي، وضم العلاوات المتأخرة منذ عام 2016، وصرف فروق الرواتب بأثر رجعي، وذلك بعد يوم واحد فقط من وقفة مماثلة لعمال الشركة في المنيا حملت المطالب نفسها.

 

العمال الذين لا يتجاوز متوسط رواتبهم ـ بحسب شهاداتهم ـ حاجز 5 آلاف جنيه شهريًا، يشكون مما وصفوه بـ«تحايل الإدارة» على قرارات الحد الأدنى للأجور المتتالية، عبر ضم الحوافز والبدلات المتغيرة إلى الأجر، بدل رفع الأجر الأساسي، بما يفرغ القرارات من مضمونها، ويتركهم عمليًا تحت مستوى الحد الأدنى المعلن.

 

المفارقة أن هذه الاحتجاجات تأتي في شركة حققت أرباحًا صافية تقارب 138 مليون جنيه في العام المالي 2024/2025، بنسبة نمو 7.1% عن العام السابق، ما يطرح سؤالًا مباشرًا: أين نصيب العمال من أرباح شركة مملوكة للدولة وتُعلَن أرقامها على البورصة بفخر، بينما يطالب عمالها بتطبيق حد أدنى «مفترض» لا يصل إلى جيوبهم؟

 

حد أدنى على الورق.. و5 آلاف جنيه في الجيوب

 

في الوقت الذي رفعت فيه الحكومة الحد الأدنى للأجور في القطاعين العام والخاص إلى 7 آلاف جنيه بدءًا من 2025، لا يزال عمال «مطاحن مصر الوسطى» ـ حسب شهاداتهم ـ يتقاضون متوسطًا لا يتجاوز 5 آلاف جنيه، شاملة الحوافز والبدلات، بينما يُفترض أن يكون الحد الأدنى هو الأجر الشامل الذي لا يجوز النزول عنه.

 

العمال يؤكدون أن الإدارة تحتسب الحوافز والبدلات المتغيرة ضمن الحد الأدنى، بدل زيادة الأجر الأساسي، ما يعني أن أي تغير في سياسة الحوافز أو توقفها يعيد رواتبهم إلى مستويات أقل كثيرًا من الحد المعلن، ويجعل «الحد الأدنى» مجرد رقم في القرارات وليس في كشوف الرواتب.

 

الخبير العمالي كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، ينتقد منذ سنوات هذا النمط من التعامل مع الأجور؛ إذ يوضح في مقال بعنوان «الحد الأدنى.. وحد الفقر» أن الحد الأدنى المعلن في مصر يأتي غالبًا أقل من خط الفقر الفعلي، ويُستخدم كأداة دعائية أكثر منه التزامًا حقيقيًا، خاصة مع ضعف الرقابة على تطبيقه في الشركات التابعة للدولة والقطاع الخاص على السواء.

 

ومن زاوية قانونية، يؤكد المحامي والحقوقي خالد علي، في برنامج «أسئلة صعبة» ومع تقارير صحفية حديثة، أن مشكلة الحد الأدنى للأجور ليست في الرقم فقط، بل في غياب آليات الإلزام والعقاب؛ فطالما لا توجد تفتيشات فعّالة وعقوبات رادعة، سيظل الحد الأدنى «حبرًا على ورق» ويمكن لأي إدارة أن تتحايل عليه عبر ضم بدلات متغيرة أو تجميد الأجر الأساسي.

 

احتجاجات تتسع واتهامات بالفساد الإداري والمحسوبية

 

الوقفة في أسيوط لم تكن الأولى؛ فقد سبقها بيوم تحرّك مماثل في المنيا، وسط حضور أمني لمحاولة تهدئة العمال، قبل أن يمتد الحراك إلى قطاع أسيوط، حيث رفع العمال لافتات تطالب بتطبيق الحد الأدنى وضم العلاوات المتأخرة منذ 2016، واستغاثوا برئيس الجمهورية لحمايتهم من أي إجراءات انتقامية قد تتخذ ضدهم.

 

خلال اللقاء مع العمال، قال الرئيس التنفيذي للشركة، المهندس أحمد عشماوي، وفق ما نقله المحتجون، إن قيمة ضم العلاوات المتأخرة لجميع العاملين تصل إلى 600 مليون جنيه، وإن «الفلوس موجودة وحقكم موجود، لكن لازم يجيني قرار»، داعيًا العمال لإنهاء وقفتهم والعودة للعمل، بينما ردوا عليه بأن المطاحن تعمل ولم تتوقف رغم الوقفة.

 

إلى جانب الأجور، يشتكي أحد العمال مما وصفه بـ«الفساد الإداري» داخل الشركة؛ إذ يؤكد أن الترقيات تعتمد على المحسوبية والأهواء الشخصية، خصوصًا في المناصب القيادية، وأنه يمكن تعيين موظف على الدرجة الثانية رئيسًا لزميله على الدرجة الأولى بحجة «الكفاءة»، فضلًا عن صرف بدلات إدارة مضاعفة لبعض المديرين وحرمان آخرين من أي فرص للترقي.

 

هذه الشهادات تتقاطع مع ما يصفه الخبير العمالي والمؤرخ صلاح الأنصاري في أكثر من حوار ومقال عن الحركة النقابية؛ إذ يؤكد أن تغييب التنظيم النقابي المستقل وتقييد الحريات النقابية بعد 2013 جعل العمال في مواجهة مباشرة مع الإدارة دون ظهير تفاوضي حقيقي، وأن أي قضية اقتصادية للعمال تحمل بالضرورة بعدًا سياسيًا يتعلق بطبيعة النظام الذي يفضّل قمع الاحتجاج على الاستجابة لمطالبه.

 

كما سبق أن أدانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات الانتهاكات المستمرة لحقوق عمال «مطاحن مصر الوسطى» في بيان سابق، حذّرت فيه من تداعيات الضغط النفسي والمعيشي بعد محاولة أحد العمال إنهاء حياته احتجاجًا على الأوضاع، في مؤشر على عمق الأزمة داخل الشركة.

 

العلاوات الضائعة وحقوق العمال المؤجلة منذ 2016

 

أحد المطالب المركزية في احتجاجات المنيا وأسيوط هو ضم العلاوات المتأخرة منذ عام 2016 وصرف الفروق المالية بأثر رجعي. فبحسب ما نقله العمال، تعترف الإدارة بأن المبلغ المطلوب كبير (600 مليون جنيه)، لكنها تربط تنفيذه بـ«قرار قادم»، ما يعني عمليًا تأجيل حق مستحق منذ سنوات، في وقت تحقق فيه الشركة أرباحًا متزايدة وتوزّع أرباحًا على المساهمين.

 

الباحثة والناشطة العمالية فاطمة رمضان ترى أن نمط التعامل مع الأجور في كثير من مؤسسات القطاعين العام والخاص يقوم على تجميد الأجر الأساسي وتحويل أغلب الزيادات إلى بدلات وعلاوات لا تُحتسب في التأمينات أو مكافآت نهاية الخدمة، وهو ما يعني أن العامل يقضي عشرات السنين في الخدمة ثم يخرج على معاش محسوب على «أساس هزيل». وتشدد في تحليلاتها على أن ضم العلاوات إلى الأجر الأساسي حق قانوني نصت عليه التشريعات، وأن حرمان العمال من هذا الضم انتقاص مباشر من حقوقهم الحالية والمستقبلية.

 

من جانبه، يربط كمال عباس بين تجميد الأجر الأساسي في شركات قطاع الأعمال العام، وبين سياسات رسمية تفضّل خفض كلفة الأجور على حساب العدالة الاجتماعية؛ فبدل أن تكون الأرباح المتزايدة مدخلًا لتحسين الأجور وظروف العمل، تُستخدم لتجميل ميزانيات الشركات أمام البورصة، بينما يبقى العمال في مواجهة تضخم يلتهم رواتبهم المحدودة.

 

وبينما يذكّر خالد علي بأن الحكومة نفسها تقرّ بعجزها عن فرض تطبيق الحد الأدنى للأجور على آلاف المنشآت، فإن احتجاجات عمال «مطاحن مصر الوسطى» تكشف أن المشكلة ليست في غياب النصوص، بل في غياب الإرادة السياسية لفرضها، وفتح المجال أمام نقابات حقيقية قادرة على التفاوض الجماعي بدل ترك العمال يستجدون حقوقهم في وقفات مهدَّدة بالقمع.

 

في المحصلة، يبدو أن معركة عمال «مطاحن مصر الوسطى» ليست فقط مع إدارة شركة رابحة ترفض ضم العلاوات وتطبيق حد أدنى حقيقي للأجور، بل مع منظومة كاملة ترى في العامل «بند تكلفة» يجب خفضه، لا شريكًا في الإنتاج يستحق أجرًا عادلًا وحياة كريمة.