تشهد أسواق ياميش رمضان هذا العام قفزة جديدة في الأسعار، إذ يؤكد عبد الفتاح رجب، رئيس شعبة العطارة بغرفة القاهرة التجارية، أن أسعار بعض الأصناف وعلى رأسها البندق وجوز الهند ارتفعت بين 20 و25% مقارنة برمضان الماضي، رغم حديثه المتكرر عن «توافر كامل» للسلع، والتوسع في التصنيع المحلي، وهدف «توفير المنتجات بأسعار مناسبة للمستهلك».
في المقابل، يرى خبراء اقتصاد وتجارة أن هذه الطمأنة لا تعني أن مائدة البسطاء في أمان؛ فالتضخم المرتفع، وتكاليف الاستيراد، وهامش ربح بعض التجار، كلها عوامل تدفع أسعار الياميش إلى مستويات غير مسبوقة، وتحوّل جزءًا من طقوس رمضان إلى رفاهية لا يقدر عليها كثيرون.
زيادات 25% في البندق وجوز الهند.. ورهان رسمي على «التصنيع المحلي»
بحسب عبد الفتاح رجب، تجاوز الطلب السنوي على ياميش رمضان العتبة التي تجعل أي تغيير في سعر الصرف أو تكاليف النقل والشحن ينعكس مباشرة على جيوب المستهلكين. رجب أوضح أن أسعار البندق وجوز الهند ارتفعت بين 20 و25%، بينما تشهد أصناف أخرى تباينًا في الأسعار، مع تأكيده أن «جميع أصناف ياميش رمضان متوفرة في الأسواق» ولا يوجد نقص في المعروض، وأن ذروة المبيعات لم تبدأ بعد، إذ تأتي عادة في العشرة أيام السابقة لرمضان وتمتد إلى بداية الشهر.
رجب يراهن على التوسع في التصنيع المحلي – خاصة في منتجات مثل قمر الدين الذي وصلت نسبة تصنيعه محليًا إلى 40% – باعتباره مدخلًا لتقليل فاتورة الاستيراد ودعم موارد النقد الأجنبي وتوفير فرص عمل في سلاسل التعبئة والتغليف والنقل. لكنه يعترف ضمنا بأن الأسعار ما زالت أعلى من قدرة شرائح واسعة من المستهلكين، حتى مع كل هذا «التوافر».
الخبير الاقتصادي هاني جنينة يربط بين هذه القفزات في الأسعار وبين موجات التضخم المتعاقبة في مصر خلال العامين الماضيين، موضحًا في تصريحات صحفية أن أسعار عدد من السلع – وبينها الغذائية – استوعبت بالفعل جزءًا كبيرًا من صدمات سعر الصرف وارتفاع التكاليف، لكن التضخم سيظل في نطاق مرتفع يدور حول 9–10% في 2026، ما يعني أن أي حديث عن استقرار الأسعار «نسبي»، وليس عودة إلى مستويات مريحة للمستهلك.
التضخم يلتهم مائدة رمضان: بين «أهلا رمضان» وواقع دخول الأسر
على الورق، تبدو بعض المبادرات الحكومية محاولة لتخفيف الضغط؛ فالخبير الاقتصادي علي الإدريسي يشيد – في تصريحات له – بالتوسع في معارض «أهلا رمضان» في المحافظات لتوفير السلع الأساسية بأسعار أقل من السوق، ويرى أن هذه التخفيضات يمكن أن «تقلل الضغط على المستهلكين قبل حلول الشهر الكريم»، خاصة مع الزيادة الموسمية في الطلب.
لكن حين نضع أرقام الياميش في سياق التضخم العام، تصبح الصورة أكثر قتامة؛ فبيانات رسمية حديثة تظهر أن التضخم السنوي في المدن المصرية ما زال في خانة العشرات (حوالي 13–14%)، مع مساهمة كبيرة من أسعار الغذاء والمشروبات، رغم تراجعها النسبي عن الذروة التاريخية البالغة 38% في 2023. ومع كل موسم رمضاني جديد، تعود ضغوط الأسعار لتظهر بقوة، خصوصًا على السلع المرتبطة بالعادات الغذائية مثل الياميش، حيث يصبح البندق والفستق والمكسرات «سلعًا كمالية» بالنسبة لأغلب الأسر.
هنا يشير جنينة إلى نقطة حساسة: حتى لو تباطأ التضخم قليلًا، فإن مستويات الأسعار الجديدة أصبحت «قاعدة» أعلى بكثير من السنوات السابقة، ما يعني أن أي زيادات إضافية بنسبة 20–25% في أصناف الياميش لا تُقاس كنسبة مجردة، بل تُضاف إلى موجات سابقة أرهقت دخول الأسر إلى الحد الأقصى.
رقابة على الورق وسوق منفلتة: تحذيرات من الغلاء و«جشع البعض»
عبد الفتاح رجب يؤكد أن دور شعبة العطارة كبير في «ضبط أسعار ياميش رمضان»، وأن هناك متابعة دورية للأسعار في المعارض والمحلات، مع دعوته لوزارة التموين إلى تشديد الرقابة ومنع أي ممارسات احتكارية أو زيادات غير مبررة، والتأكيد على جودة المنتجات وتدوين بيانات الإنتاج والصلاحية، وتنويع الأصناف بين كامل وخالي ومتوسط الدسم لمنح المستهلك مرونة في الاختيار.
لكن الخبير الاقتصادي خالد الشافعي يحذر منذ سنوات من أن «سلوك بعض التجار» وجشعهم يضرب أي محاولة للسيطرة على الأسعار، موضحًا أن ارتفاع البنزين والسولار – وهما محركان رئيسيان للتكلفة – يتحول في أيدي بعض التجار إلى ذريعة لمضاعفة الأسعار بنسب لا تتناسب مع زيادة التكلفة الفعلية، وهو ما يتطلب، برأيه، تشديدًا حقيقيًا للرقابة وليس مجرد تصريحات.
من جانبه، يعلن حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية، عن اتفاق مع الموردين لتثبيت أسعار السلع الأساسية – ومنها الياميش – خلال أول أسبوعين من رمضان 2026، مع التوسع في المنافذ الثابتة والمتحركة ومعارض «أهلا رمضان» للحد من أي قفزات جديدة في الأسعار. لكنه يقر في الوقت نفسه بأن تلك الخطوة لا تلغي أثر التضخم السابق، بل تمنع فقط «موجة جديدة» في لحظة الذروة.
في النهاية، تبدو تصريحات رجب عن «أفضل وقت للشراء قبل الموسم مباشرة» نصيحة عملية لمن يستطيع، لكنها ليست حلًا لأزمة أعمق؛ فواقع دخول الأسر المصرية في ظل تضخم مزمن، وارتفاع مستمر في تكاليف الاستيراد والنقل، وضعف فعلي في ضبط الأسواق، يجعل من ياميش رمضان مرآة صريحة لاختلالات أوسع: سوق تتحرك فيها الأسعار صعودًا بسهولة، بينما تظل قدرة المستهلكين على اللحاق بها في أدنى مستوياتها، مهما تعددت الشعارات عن «الاستقرار» و«التصنيع المحلي» و«الرقابة على التجار».

