من آن إلى آخر يتفجر الجدل حول قناة السويس، الشريان المائي الأهم عالميًا وأحد أعمدة السيادة المصرية، بين تسريبات عن تأجيرها لعقود طويلة أو رهنها مقابل مليارات الدولارات لسد فجوة الديون المتفاقمة.

هذه المرة عاد الجدل أشد حدة مع مقترح صريح من رجل الأعمال حسن هيكل بنقل ملكية هيئة قناة السويس إلى البنك المركزي المصري مقابل تصفير الديون المحلية، في ظل دين عام يقترب من 377.8 مليار دولار، ودين محلي تضخم حتى بلغ 11.057 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2025، وفوائد تلتهم معظم إيرادات الموازنة.

 

هيكل، نجل الكاتب الشهير محمد حسنين هيكل وأحد رجال أعمال عصر حسني مبارك، طرح فكرته في منتدى اقتصادي بجامعة القاهرة ثم على شاشة قناة "القاهرة والناس"، مقدِّمًا مقترحه على أنه إعادة هيكلة جذرية للدَّين بدلًا من مواصلة تدويره.

لكن الطرح ما إن خرج للعلن حتى فتح بابًا واسعًا لتساؤلات حادة حول العلاقة بين إدارة الديون والسيادة على القناة، وربط الحاضر بمخاوف قديمة من تكرار سيناريو القرن التاسع عشر حين قادت الديون إلى تدخل أجنبي واحتلال مباشر.


 

ديون خانقة وخبراء: من إدارة الدَّين إلى تصفية الدولة

 

يقوم المقترح على أن يتولى الجهاز المركزي للمحاسبات تقييم هيئة قناة السويس، مع ترجيح أن تصل قيمتها إلى نحو 200 مليار دولار، ثم تُنقل تبعيتها وملكيتها إلى البنك المركزي المصري.

وبموجب هذا التصور، يعتمد البنك المركزي على عوائد القناة السنوية المقدرة بنحو 10 مليارات دولار في سداد أقساط وفوائد الدين المحلي، بدل تحميلها للموازنة العامة ووزارة المالية، بما يعني عمليًا فصل عبء الديون عن الموازنة وتحويل القناة إلى أصل مالي مباشر في معادلة الدَّين.

 

هيكل يقدّر الدين المحلي بنحو 16 تريليون جنيه، ويتحدث عن فوائد شهرية تقترب من 250 مليار جنيه، معتبرًا أن استمرار تدوير الدَّين وتأجيل الأقساط يفاقم الأزمة، وأن المطلوب “مقايضة كبرى” بين أصل ضخم مثل القناة وبين الدين المتضخم، مع خفض سعر الفائدة من 21 إلى 16 بالمئة وتأجيل المشروعات ذات المكوّن الأجنبي.

 

لكن هذه الرؤية تصطدم بواقع أرقام أكثر قسوة؛ إذ كشف تقرير لوزارة المالية في نوفمبر الماضي أن فوائد الديون ارتفعت 54 بالمئة في الربع الأول من (2025/2026)، لتصل إلى 695 مليار جنيه، أي أنها التهمت عمليًا إيرادات الموازنة التي بلغت نحو 566 مليار جنيه، برغم ارتفاع حصيلة الضرائب بنسبة 37 بالمئة.

وفي أغسطس، اعترفت وزارة المالية بأن العجز الكلي للموازنة تضاعف إلى 1.26 تريليون جنيه، بينما تشير تقديرات إلى أن خدمة الدين العام تلتهم نحو 80 بالمئة من الإيرادات و50 بالمئة من المصروفات.

 

أمام هذه الصورة، ترى الأكاديمية جنات السمالوطي أن نقل ملكية قناة السويس إلى البنك المركزي لا يمثل إصلاحًا هيكليًا حقيقيًا، بل يهدد استقلال “المركزي” ويخلط بين وظيفته كمؤسسة نقدية ودور الدولة في إدارة أصولها الاستراتيجية.

 

هذا التحفظ دعمه محافظ البنك المركزي الأسبق محمود أبو العيون، الذي اعتبر المقترح “غير قابل للتطبيق عمليًا أو نظريًا في حالة مصر”، محذرًا من أن إدخال أصل جيوسياسي كهذا في ميزانية البنك المركزي يخلق تعقيدات مالية وسياسية تتجاوز أي فائدة محاسبية مزعومة.

 

من إدارة الدَّين إلى خطر تكرار فخ القرن التاسع عشر

 

على مستوى أعمق، يحذر عدد من الخبراء من أن التعامل مع قناة السويس كأصل قابل للمقايضة في معادلة الدَّين يعيد مصر إلى منطق القرن التاسع عشر، حين تحولت الديون إلى بوابة للتدخل الأجنبي ثم الاحتلال.

الخبير الاقتصادي والأكاديمي الدكتور مصطفى شاهين يرى أن ما يجري في الملف الاقتصادي يشبه “لعبة كبيرة وسيرك ومسرحيات”، موضحًا أن ما يُقدَّم للرأي العام غير ما يحدث في الواقع، وأنه لم يعد هناك مكان حقيقي لرأي إصلاحي مستقل.

 

شاهين يصف مقترح هيكل بأنه “تهريج اقتصادي” يرفع المسؤولية عن الحكومة، ويحول الأنظار عن السياسات التي أغرقت البلاد في هذا الحجم من الديون، مؤكدًا أن ما يحدث “أمر مدبر ومخطط” لإبقاء مصر غارقة في فخ الاستدانة.

 

ويستحضر شاهين رسالة الدكتوراه للاقتصادي الراحل جلال أمين عن الدَّين في عصر الخديوي عباس وسعيد وإسماعيل، معتبرًا أن ما وصفه أمين عن تآكل استقلال القرار المصري تحت ضغط القروض يشبه تمامًا واقع اليوم.

ومنذ عام 2014 – كما يقول – يحذر من هذا المسار، ويدعو إلى قرار حاسم بالتوقف عن الاستدانة المحلية والخارجية، بدل البحث عن صيغ لرهن أصول الدولة، مشيرًا بسخرية إلى تصريحات رسمية “تتباهى” بوصول مليار يورو من الاتحاد الأوروبي، كأن الدَّين إنجاز يُحتفى به.

 

في الاتجاه نفسه، يؤكد الأكاديمي المصري الدكتور مجدي ماجد أن إدخال قناة السويس في معادلة الديون يمثل “قياسًا فاسدًا” ينقل النقاش من إدارة الدَّين إلى “تصفية الدولة”.

ماجد يوضح أن القناة “مصلحة عامة عليا غير قابلة للمقايضة، ومورد استراتيجي نادر غير قابل للاستنساخ، وأصل جيوسياسي قبل أن يكون اقتصاديًا”، وأن تجارب الدول التي واجهت أزمات ديون حادة أثبتت أن الطريق الآمن هو إصلاح الهياكل المالية والضريبية، لا المساس بالأصول السيادية.

بالنسبة له، أي طرح يربط مصير القناة بميزان الدائنين يعني عمليًا تجريد الدولة من إحدى أوراق قوتها الأساسية في الإقليم.

 

المشهد ازداد توترًا مع انتشار تسريب في فبراير 2023 لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، يتحدث فيه عن عرض من مجموعات تمويل دولية لتأجير القناة 40 سنة مقابل 400 مليار دولار، عارضًا زيادة المدة حتى 99 عامًا مقابل تريليون دولار، ومؤكدًا أنه في انتظار عروض من الإمارات والصين.

ذلك التسريب رسّخ لدى قطاعات واسعة من المصريين قناعة بأن شريانهم القومي مطروح بالفعل في "كواليس التمويل" الدولية، وأن مقترحات نقل الملكية أو رهن الإيرادات ليست أفكارًا نظرية بل امتداد لمسار قائم.


 

بين مقترحات التمويل ومخاوف التفريط في الشريان القومي

 

الجدل حول مقترح نقل ملكية قناة السويس لا ينفصل عن سلسلة أطول من الأفكار والتحركات التي طالت القناة في السنوات الأخيرة، من قانون “صندوق هيئة قناة السويس” الذي سمح للصندوق ببيع واستئجار واستغلال أصول الهيئة، إلى إنشاء شركة “قناة السويس القابضة”، مرورًا بعقود طويلة الأجل مع شركات أجنبية، بينها إماراتية، لإدارة موانئ وخدمات لوجستية ومحطات حاويات تابعة للهيئة.

هذه الخطوات غذّت شعورًا متزايدًا لدى قطاعات واسعة من المصريين بأن الشريان القومي بات في قلب معركة بين سد فجوة الديون وحماية السيادة.


 

في هذا السياق، يبرز طرح الخبير الاقتصادي هاني توفيق الذي دعا في يناير 2023 إلى طرح سندات دولية بضمان إيرادات قناة السويس لتوفير نحو 60 مليار دولار لسداد جزء من الديون.

ورغم أن هذا الطرح لا يمس ملكية القناة مباشرة، فإن مجرد استخدام إيراداتها كضمانة للدائنين الدوليين أثار وقتها موجة من القلق، واعتبره كثيرون خطوة على طريق تحويل القناة إلى “رهينة” في يد أسواق المال العالمية.

ما جعل مقترح حسن هيكل يبدو للبعض امتدادًا أكثر جرأة في الاتجاه نفسه، من ضمان الإيرادات إلى نقل الملكية ذاتها.

 

هذه المخاوف تتقاطع مع ذاكرة تاريخية ثقيلة: من امتياز فرديناند ديليسبس لمدة 99 عامًا، وما تبعه من تزايد الديون والتدخل الأجنبي، إلى بيع حصة مصر في القناة عام 1875، ثم احتلال إنجلترا عام 1882، وصولًا إلى عدوان 1967 على سيناء، ومرورًا بنقاشات حديثة حول مشاريع منافسة لحركة التجارة العالمية مثل طريق بحر الشمال الروسي، و”ممر بايدن”، ومشروع “طريق التنمية” العراقي–التركي، التي تهدد المكانة الاحتكارية للقناة.

 

أمام هذا التاريخ والجغرافيا والضغوط المالية، تبدو رسالة الخبراء واضحة: أزمة الديون، مهما اشتدت، لا تُعالَج برهن القلب النابض للاقتصاد المصري، بل بإعادة بناء السياسات التي أوصلت البلاد إلى هذه اللحظة، قبل أن يتحول الشريان القومي نفسه إلى رقم في جدول حسابات الدائنين.