في مشهد يلخص عمق المأزق الاقتصادي، لم يعد المصريون يسألون: أستثمر في ماذا؟ بل: كيف أهرب من الجنيه؟

 

قفزات قياسية في أسعار الذهب والفضة، وارتفاعات حادة في النحاس، يقابلها ركود خانق في الحديد والعقار والمشروعات الحكومية، ترسم لوحة واحدة: اقتصاد فقد بوصلته الإنتاجية، فتحوّل المواطن إلى باحث يائس عن “ملاذ آمن” يحمي ما تبقى من مدخراته، بينما تواصل السياسات الحالية دفع الناس نحو المضاربة في الأصول بدل الاستثمار في العمل والإنتاج.

 

ذهب قياسي وهروب من الجنيه: تصويت يومي بعدم الثقة

 

قفز سعر غرام الذهب عيار 21 – وفق بيانات السوق – إلى نحو 6180 جنيهًا، وعيار 24 إلى ما يزيد عن 7000 جنيه، والجنيه الذهب إلى قرابة 49 ألفًا، مع سعر أونصة عالمية يدور حول 4620 دولارًا. هذه الأرقام لا تعني فقط ارتفاعًا في “معدن نفيس”، بل تعكس عمليًا انهيار الثقة في الجنيه، بعدما تحوّل الذهب إلى العملة الفعلية لقياس القيمة في عقول الناس.

 

إيهاب واصف، رئيس شعبة الذهب والمعادن النفيسة باتحاد الصناعات، يؤكد أن الذهب يتحرك في “مسار صاعد طويل الأجل” مدفوعًا بحالة عدم اليقين عالميًا، وأن وزن الذهب في المحافظ الاستثمارية العالمية يشير إلى أن الأسعار لم تبلغ ذروتها بعد؛ ما يعني أن الاندفاع نحوه ليس مزاجًا عابرًا، بل جزء من تحوّل هيكلي في سلوك المستثمرين والأفراد.

 

من جانبها، ترى رضوى السويفي، رئيسة قسم البحوث في “فاروس القابضة”، أن الذهب هو أفضل وعاء ادخاري لحفظ القيمة في فترات الاضطراب، وأن البنوك المركزية نفسها توسّع احتياطياتها منه باعتباره “مستودعًا للقيمة وتأمينًا وقت الأزمات”، ما يجعل لجوء المصريين إلى الذهب امتدادًا لخيارات عالمية أوسع، لكن بحدة أكبر بسبب تضخم محلي يلتهم الدخول والمدخرات.

 

ويضيف الخبير الاقتصادي هاني جنينة أن التحوّل العالمي المتسارع نحو شراء الذهب كبديل استراتيجي عن الدولار لم يعد قرارًا استثماريًا عاديًا، بل أقرب إلى “تصويت غير معلن” على فقدان الثقة في النظام النقدي القائم. وإذا كان هذا صحيحًا عالميًا، فإن النسخة المصرية أكثر قسوة: الذهب هنا ليس مجرد تنويع أصول، بل آخر خيط يتمسّك به المواطن أمام عملة محلية تُستنزف دون أفق إصلاح واضح.

 

أما الفضة، التي قفز غرامها إلى حوالي 137 جنيهًا مع توقعات بالوصول إلى 150 جنيهًا، فقد أصبحت “ملاذ الفقراء”، بعد أن خرج الذهب عمليًا من قدرة شرائح واسعة من متوسطي ومحدودي الدخل. انتقال ثقافة التحوّط من الأثرياء إلى هذه الشرائح يعني أن حالة الخوف لم تعد حكرًا على المستثمرين الكبار، بل باتت جزءًا من الوعي اليومي لعائلات تبحث عن أي وسيلة لحماية نفسها من موجات التضخم المقبلة.

 

حديد راكد ونحاس ملتهب: اقتصاد بلا عقار حيّ ولا صناعة مطمئنة

 

على الجانب الآخر، الزيادة المحدودة في أسعار الحديد – بين 0.2% و0.5%، مع مستويات سعرية تدور حول 37–38.5 ألف جنيه للطن قبل النقل والهوامش – لا تعكس انتعاشًا حقيقيًا بقدر ما تكشف محاولة من المنتجين وكبار الموزعين لتصريف مخزون راكد، في ظل شلل شبه كامل في قطاعي العقار والمشروعات الحكومية للبنية التحتية.

 

الركود في هذه القطاعات ينسف واحدة من أهم “محركات الطلب” على الحديد والصلب، ويحوّل أي ارتفاع في الأسعار إلى عبء إضافي على سوق بناء متوقفة بالفعل، ومواطن لم يعد قادرًا على تحمّل تكلفة وحدة سكنية في ظل أسعار مواد بناء متضخمة ودخول متآكلة.

 

في المقابل، يشرح الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع – أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة والرئيس الأسبق للقابضة للصناعات المعدنية – أن استمرار الاختلال بين عرض مقيد وطلب متسارع على النحاس عالميًا، بفعل التحول نحو الطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، يدفع أسعار النحاس إلى مزيد من الصعود، ما ينعكس مباشرة على أسعار الكابلات والمنتجات الهندسية في دول مستورِدة مثل مصر.

 

هذا الضغط يدفع بعض الشركات إلى استبدال النحاس بالألومنيوم المغلّف، رغم مخاطره الفنية وضعف تحمله للحرارة والضغوط، في خطوة تعكس حجم الاختناق: صناعات تبحث عن البقاء بأي تكلفة، حتى لو كان الثمن تراجع الجودة وارتفاع مخاطر الأعطال والحوادث. وهكذا يتجلى وجه آخر للأزمة: ارتفاع أسعار المعادن الصناعية لا يعني انتعاشًا إنتاجيًا، بل يهدد بدوره بجولة جديدة من التضخم “المستورَد” في كل ما يرتبط بالكهرباء والبنية التحتية والخدمات.

 

تضخم بلا أفق وسياسات تدفع الناس إلى الملاذات لا إلى الإنتاج

 

شعبة المستوردين وغيرهم من الفاعلين في السوق يحذرون من أن استمرار صعود أسعار المعادن – خصوصًا الصناعية منها – يعني ضغوطًا تضخمية جديدة في اقتصاد يعاني أصلًا من ضعف الإنتاج وعجز مزمن عن إحلال الواردات. في هذه البيئة، يصبح الذهب والفضة “الرابح الأكبر” من حالة عدم اليقين، بينما يدفع الحديد والنحاس والصناعة ثمن السياسات المرتبكة.

 

رضوى السويفي تحذّر منذ سنوات من تضخم يتجاوز التقديرات الرسمية ويضغط على الدخول الحقيقية للأسر، ما يجعل أي موجة جديدة في أسعار السلع الأساسية أو مدخلات الإنتاج بمثابة صدمة إضافية لمنظومة هشة.

وفي ظل عجز السياسة النقدية حتى الآن عن استعادة الثقة في العملة المحلية، واستمرار الرهان على قرارات متقطعة لرفع الفائدة أو تقييد السيولة دون إصلاح هيكلي، يصبح سلوك المصريين – الهروب إلى الذهب والفضة – رد فعل منطقيًا على “اقتصاد بلا أفق واضح”.

 

إيهاب واصف يرى أن الطلب المتزايد على السبائك والجنيهات الصغيرة يعكس تحوّل الذهب من مجرد زينة اجتماعية إلى أداة ادخار قصيرة ومتوسطة الأجل، بينما يؤكد هاني جنينة أن اللحظة الراهنة عالميًا ومحليًا تمثّل إعادة تشكيل لخريطة الأصول الآمنة، حيث يدفع فقدان الثقة في العملات الورقية، وخصوصًا في الاقتصادات الهشة، إلى إعادة الاعتبار للمعدن كعملة موازية غير معلنة.

 

في الخلاصة، ما يحدث في سوق الذهب والفضة والنحاس والحديد ليس حكاية أسعار وبورصات فقط، بل شهادة إدانة لسياسات اقتصادية دفعت المصريين إلى ترك الجنيه يحترق والاحتماء بالمعادن، في بلد أصبح فيه الادخار حلمًا، والاستثمار مخاطرة عالية، والاستقرار الاقتصادي وعدًا مؤجلًا يتآكل كل يوم مع كل رقم جديد يُكتب على لافتات محال الصاغة وسماسرة الحديد.