في أيام قليلة، قفزت أسعار حديد التسليح بقفزات صادمة؛ رفعت شركات الحديد المتكامل أسعارها ما بين 2000 و3000 جنيه للطن، ليصل سعر البيع للمستهلك إلى ما بين 37 و38.5 ألف جنيه، بعد أن كان في حدود 33 إلى 35 ألف جنيه فقط قبلها بيوم واحد، بحسب ما أكده رئيس شعبة مواد البناء باتحاد الغرف التجارية أحمد الزيني لـ "المنصة".

 

هذه القفزة ليست انعكاسًا لارتفاع في مدخلات الإنتاج أو صدمة عالمية مفاجئة، بل تعبير فجّ عن سوق مختلّة تتحكم فيها حفنة من الشركات الكبرى، محصنة بقرارات حكومية ضربت مصانع الدرفلة في مقتل وأخرجتها من المنافسة، وتركت المستهلك النهائي – من شركات مقاولات إلى مواطن يحلم بشقة – وحيدًا في مواجهة موجة غلاء جديدة بلا أي حماية حقيقية.

 

لعبة الاحتكار: مصانع متكاملة ترفع الأسعار ومستهلك أعزل يدفع الفاتورة

 

بمجرد إعلان شركات حديد عز وبشاي والسويس للصلب والمراكبي والمصريين والجيوشي للصلب عن زيادات أسعارها، انتقل السعر للمستهلك مباشرة إلى مستوى 37–38.5 ألف جنيه للطن. لا حديث هنا عن تدرج أو منافسة أو عروض متباينة، بل حركة شبه موحدة تعكس ما وصفه مسؤولون في مصانع الدرفلة سابقًا بأنه "نوع من الاحتكار" من جانب المصانع المتكاملة، في ظل غياب تدخل فعّال من الدولة لضبط السوق.

 

في سوق يفترض أنها "حرة" وتحت رقابة أجهزة حماية المنافسة، كيف ترتفع الأسعار بهذه الحدة، وفي وقت قصير، دون مبررات إنتاجية واضحة؟ أحمد الزيني نفسه يؤكد أن الزيادة استهدفت "زيادة أرباح" الشركات، وهي شهادة من داخل غرفة التجارة تكشف أن ما جرى أقرب إلى قرار سياسي-اقتصادي من جانب الكبار، لا استجابة اضطرارية لضغوط تكاليف حقيقية.

 

النتيجة المباشرة لهذه القفزة ليست مجرد أرقام على الورق؛ كل زيادة ألفي أو ثلاثة آلاف جنيه في طن الحديد تعني عقودًا متعثرة، ومشروعات إسكان مؤجلة، وشركات مقاولات صغيرة ومتوسطة تنهار أو تتوقف، ومواطنين يدفعون ثمنًا إضافيًا في سوق عقار ملتهبة أصلاً. ومع كل موجة غلاء، يُدفن حلم شريحة جديدة من المصريين في امتلاك مسكن لائق.

 

قرار الرسوم في سبتمبر: ضُرب البليت… فسقطت مصانع الدرفلة

 

جوهر الاختلال الحالي يبدأ من قرار حكومي لا يقل خطورة عن ممارسات المصانع المتكاملة. ففي سبتمبر الماضي، فرضت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية رسوم إغراق مؤقتة بنسبة 16.2% على واردات "البليت" لمدة 200 يوم.

على الورق، القرار يبدو دفاعًا عن الصناعة الوطنية في مواجهة الإغراق المستورد، لكن على الأرض، كان بمثابة ضربة قاصمة لمصانع الدرفلة التي تعتمد على استيراد البليت كمدخل رئيسي للإنتاج.

 

خلال الشهرين الماضيين، تراجع توريد البليت من المصانع المتكاملة إلى مصانع الدرفلة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف استيراده بعد رسوم الإغراق، ما أدى إلى توقف شبه كامل لتلك المصانع عن الإنتاج. ثلاثة مصادر في مصانع الدرفلة أكدوا مسبقًا أن ما يحدث يجسّد عمليًا حالة احتكار:

 

  • كبار المنتجين يمتنعون عن توريد البليت بالكمية الكافية.
  • الحكومة تُغلق باب الاستيراد برسوم باهظة.
  • مصانع الدرفلة تُقصى من السوق تمامًا.

 

بهذا الشكل، تمّت تصفية لاعب رئيسي كان يخلق حالة من التوازن والمنافسة في سوق الحديد، وتركت الساحة لصالح المصانع المتكاملة التي تملك البليت ومخزوناته، وتقرر وحدها متى ترفع السعر، وبكم، ودون أن تخشى دخول منافس جديد أو عودة منافس قديم.

 

سوق بلا منافسة ومدخلات مستقرة: لماذا يرتفع الحديد إذن؟

 

رئيس شركة العشري للصلب، أيمن العشري، قطع الشك باليقين عندما قال إن الزيادات الأخيرة في الأسعار "غير مرتبطة بأسعار مدخلات الإنتاج المستقرة حاليًا".

الرجل أوضح أن المصانع المتكاملة تمتلك مخزونًا جيدًا من خام البليت يمكّنها من التحكم في سعر المنتج النهائي في السوق المحلية، بينما مصانع الدرفلة لا تمتلك أي مخزون، ما جعلها متوقفة عن الإنتاج بالكامل وخارج معادلة التسعير.

 

هذا التصريح ينسف أي محاولة لتبرير الزيادة بالحديث عن الدولار، أو خام الحديد العالمي، أو تكاليف الطاقة؛ فحين تكون المدخلات مستقرة، والمخزون متوفر، وتغلق الدولة باب الاستيراد برسوم باهظة، ويُقصى جزء من المصانع من المنافسة، يكون التفسير الوحيد المنطقي هو أن:

 

  • المعروض يُقلَّص عمدًا
  • السوق تُدار بما يخدم تعظيم أرباح قلة من كبار المنتجين
  • الحكومة تقف – على الأقل بالصمت – في صف القرارات التي تُفضي إلى هذه النتيجة.

 

العشري طالب بتدخل حكومي لضمان توفير البليت وتشغيل المصانع المتوقفة وتحقيق منافسة عادلة.

لكن السؤال الأهم: لماذا نحتاج إلى "رجاء" من رجل صناعة حتى تتحرك الجهات الرقابية؟ أين جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية؟ أين وزارة التجارة والصناعة من سوق يختنق تحت قبضة كارتيل معلن الأسماء؟

 

الأمر لا يتوقف عند زيادة أخيرة؛ ففي نوفمبر الماضي، أعلنت شركات الحديد الكبرى عن خفض أسعار حديد التسليح بنحو 4 آلاف جنيه للطن مع تطبيق التخفيض بأثر رجعي.

نفس السوق التي تهبط فيها الأسعار فجأة بهذا الحجم، ترتفع الآن بألفين إلى ثلاثة آلاف في أيام قليلة، دون تغيير جوهري في مدخلات الإنتاج.

هذا وحده كافٍ ليقول إن ما يحكم سوق الحديد ليس منطق الكلفة والعرض والطلب، بل منطق قرار فوقي يملك أن يرفع وأن يخفض وفقًا لمصالح كبار اللاعبين.

 

في النهاية، ما يحدث في سوق حديد التسليح ليس مجرد ملف قطاعي، بل نموذج صارخ لكيف يمكن أن تتحول قرارات الدولة الاقتصادية، مع تواطؤ غياب الرقابة، إلى أداة لنقل الثروة من جيوب ملايين المصريين إلى خزائن عدد محدود من الشركات.

وإذا لم يُفتح هذا الملف بجدية – من البرلمان إلى الجهات الرقابية والقضائية – فإن كل حديث عن "عدالة اجتماعية" و"حماية محدودي الدخل" يصبح مجرد شعار جوفاء أمام قضبان الحديد التي تُغلق أبواب السكن الكريم في وجه الناس.