تواجه مصر خلال الشهور القليلة المقبلة واحداً من أصعب اختبارات القدرة على السداد، مع التزامها بدفع نحو 2.7 مليار دولار لصندوق النقد الدولي فقط خلال عام 2026، وفق بيانات الصندوق التي تُظهر استحقاقات موزعة على عدة شرائح، من بينها مئات الملايين المستحقة خلال الأسابيع الأولى من العام.

 

تأتي هذه الفاتورة في وقت تحذر فيه تقارير اقتصادية من ارتفاع إجمالي خدمة الدين الخارجي إلى قرابة 45 مليار دولار سنوياً، بعد أن قاربت 34 ملياراً في 2025، في ظل شح الدولار وتآكل دخول الأغلبية وتراجع موارد حيوية مثل قناة السويس بسبب اضطرابات البحر الأحمر.

 

أمام هذه الصورة، يجمع خبراء اقتصاد، من بينهم هاني توفيق، د. سالي صلاح، ود. مراد علي، على أن المشكلة لم تعد في «تدبير دفعة أو اثنتين»، بل في نموذج اقتصادي يقوم على الاستدانة وبيع الأصول وتأجيل الانفجار لا منعه.

 

التزامات ثقيلة خلال شهور قليلة

 

بحسب تقديرات منشورة استناداً لبيانات صندوق النقد الدولي، يلتزم البنك المركزي المصري خلال 2026 بسداد نحو 2.71 مليار دولار أقساطاً وفوائد لقروض الصندوق وحده، موزعة على عدة دفعات، بينها نحو 267 مليون دولار في شهر واحد، فضلاً عن التزامات أخرى لبنوك وصناديق دولية وسندات دولارية ويوروبوند، ما يجعل إجمالي ما يجب سداده بالعملة الصعبة خلال العام أعلى بكثير من رقم الصندوق نفسه.

 

في الخلفية، تتحدث تقارير مستقلة عن أن خدمة الديون المصرية – أقساطاً وفوائد – قاربت 34 مليار دولار في 2025، مع توقع ارتفاعها إلى نحو 45 مليار دولار في 2026، وهو ما يعني أن كل دولار جديد يدخل البلد مهدد بأن يذهب أولاً للدائنين قبل أن يلمس حياة المواطن أو ينعكس على الاستثمار والإنتاج وفرص العمل.

 

الاحتياطي لا يكفي والأجور المتآكلة تزيد الكلفة الاجتماعية

 

الخبير الاقتصادي هاني توفيق حذّر مبكراً من الانخداع بأرقام الاحتياطي أو التدفقات الخليجية المؤقتة، موضحاً أن ما حصلت عليه الحكومة من دعم خليجي وقروض دولية لا يكفي إلا لتغطية فجوة الواردات وسداد الالتزامات الدولية لأشهر محدودة، بينما يظل الاقتصاد في حاجة مستمرة إلى عملة صعبة لا ينتجها بنفسه بالقدر الكافي.

 

ويرى أن السياسات النقدية – مثل رفع الفائدة وخفض قيمة الجنيه – رغم كونها، في جزء منها، خطوات اضطرارية، فإن غياب سياسات مالية واستثمارية رشيدة موازية يجعل أثرها محدوداً على النمو الحقيقي.

 

ويشير توفيق في أكثر من مناسبة إلى أن متوسط دخل الموظف المصري لا يتجاوز نحو 165 دولاراً شهرياً، بما يضعه في ذيل الترتيب العالمي، ما يعني أن أي إجراءات جديدة لخفض الدعم أو زيادة الضرائب لسداد الديون ستقع مباشرة على كتف شريحة مرهقة بالفعل، وأن الدولة تسير في مسار «خدمة الدين أولاً، والمواطن أخيراً».

 

ديون انفجرت 356٪ وبيع الأصول ليس حلاً بل ممرّاً خطراً

 

من جانبها، ترسم د. سالي صلاح، خبيرة التخطيط الاستراتيجي والاقتصاد، صورة أكثر قتامة لأرقام الدين العام. فوفقاً لتحليلاتها، قفز الدين العام المصري بنحو 356% بين 2014 و2025، من حوالي 4.3 تريليون جنيه إلى ما يقارب 19.6 تريليون جنيه، بينما وصلت خدمة الدين العام إلى نحو 9.6 تريليون جنيه، في وقت تعتمد فيه الحكومة على الاقتراض الداخلي والخارجي وبيع الأصول لسداد الفوائد والأقساط، لا لتمويل استثمارات إنتاجية جديدة.

 

وتنتقد صلاح توسع الحكومة في تحويل الأراضي والموانئ والشركات الحكومية إلى «رهن طويل الأجل» لدى مستثمرين أجانب أو صناديق سيادية مقابل سيولة عاجلة بالدولار، محذّرة من أن هذه الصفقات قد تشتري مهلة قصيرة للحكومة، لكنها تبيع في المقابل جزءاً من قدرة الدولة المستقبلية على توليد إيرادات حقيقية، وتضع ملفات استراتيجية مثل الموانئ والطاقة تحت ضغط مصالح الدائنين.

 

وترى أن استحقاقات العام الحالي مع صندوق النقد ليست سوى بند واحد داخل لوحة أوسع من الالتزامات، وأن التركيز الإعلامي على رقم 2.7 مليار دولار يخفي خلفه جبل جليد من الديون القصيرة والمتوسطة والطويلة الأجل، يحتاج إلى خطة هيكلية لإعادة الجدولة وتغيير نموذج الإنفاق والاستثمار، وليس فقط إلى «صفقات أراضٍ جديدة» أو طروحات جزئية لشركات رابحة.

بالنسبة لها، الحل يبدأ من وقف نزيف الاقتراض غير المنتج، وتوحيد الموازنات والصناديق الخاصة، وإعلان الحجم الحقيقي للدين بشفافية، قبل الحديث عن أي برامج «إصلاح» جديدة برعاية الصندوق.

 

مصر ثاني أكبر مقترض من الصندوق والخطر يتجاوز الأرقام

 

أما د. مراد علي، فيلفت إلى أن ديون مصر الخارجية، وفق الأرقام الرسمية، تجاوزت 162 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة، وأن البلاد باتت ثاني أكبر مقترض من صندوق النقد الدولي بإجمالي قروض يقترب من 28 مليار دولار منذ 2016، ما يعكس اعتماداً مفرطاً على الاقتراض لسد العجز بدلاً من إصلاح جذور الأزمة.

ويرى أن استمرار هذا المسار يعني عملياً رهن القرار الاقتصادي، وربما السياسي، لإملاءات الدائنين وشروطهم، من تعويم العملة وخفض الدعم ورفع أسعار الفائدة، وهي إجراءات تحولت بالفعل إلى عبء خانق على الطبقات الوسطى والفقيرة.

 

ويحذر علي من أن تراكم استحقاقات السداد في سنوات متقاربة، مع تراجع إيرادات حيوية مثل قناة السويس وتأثر السياحة وارتفاع كلفة الواردات، يفتح الباب لسيناريوهات أشد قسوة: من تعويم جديد للجنيه، إلى جولات إضافية من التقشف، وربما إعادة هيكلة قسرية للديون إذا عجزت الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها.

في تقديره، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع مصر دفع 2.7 مليار دولار لصندوق النقد خلال الشهور المقبلة؟ بل: كم سيدفع المجتمع من فقر وبطالة وتضخم ثمناً لسياسة جعلت خدمة الدين أولوية مطلقة فوق كل أولويات التنمية والعدالة الاجتماعية؟