في جولة دعائية جديدة، خرج الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس وزراء الانقلاب، ليعلن تفقده خمسة مستشفيات في محافظتي القاهرة والجيزة، معتبرًا أن هذه الزيارة تمثل “ردًا عمليًا” على التساؤلات المثارة حول مدى اهتمام الدولة بمنظومة الصحة. لكن بين التصريحات الرسمية والواقع اليومي داخل المستشفيات الحكومية، تتسع فجوة يصعب تجاهلها، وتطرح سؤالًا جوهريًا: هل يشعر المواطن فعلًا بهذه المليارات التي تُنفق؟
25 مليار جنيه.. أرقام ضخمة وواقع مُرهق
قال مدبولي إن الدولة تعمل على رفع كفاءة المستشفيات دون إغلاقها، واصفًا ذلك بأنه “أمر بالغ الصعوبة”، مؤكدًا أن الحكومة تبذل “كل الجهد” لإنجاز هذه الصروح الطبية. وأعلن أن تكلفة تطوير المستشفيات الخمس بلغت 25 مليار جنيه، وهو رقم ضخم بمعايير أي دولة، لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها مصر.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف تُنفق 25 مليار جنيه على مستشفيات حكومية، بينما لا يزال المواطن يشكو من نقص الأسرة، وطوابير الانتظار، وغياب المستلزمات الطبية الأساسية، وارتفاع تكلفة العلاج حتى داخل المستشفيات “العامة”؟
فالإنفاق الضخم لا يكون قيمة في حد ذاته، ما لم ينعكس مباشرة على جودة الخدمة الصحية، وعلى كرامة المريض، وعلى قدرة المواطن البسيط على تلقي العلاج دون إذلال أو استدانة.
جولة تفقد.. أم استعراض سياسي؟
بحسب تصريحات رئيس الوزراء، شملت الجولة مستشفيات هرمل، بولاق أبو العلا، بولاق الدكرور، معهد ناصر، وأم المصريين. وأكد مدبولي أن هذه المستشفيات “ستكون صروحًا طبية عالمية”، في خطاب يتكرر منذ سنوات مع كل مشروع خدمي جديد، دون أن يصاحبه تقييم مستقل أو مؤشرات شفافة تقيس أثر هذه “الصروح” على أرض الواقع.
ويبرز معهد ناصر كأحد أبرز النماذج التي استشهد بها مدبولي، حيث أعلن أن المعهد سيضم 1000 سرير للمرضى. ورغم أهمية هذا الرقم نظريًا، إلا أن الواقع يفرض تساؤلات مؤلمة:
كم سريرًا من هذه الأسرة سيكون متاحًا فعليًا للمواطن غير القادر؟
وكم منها سيظل حبيس البيروقراطية أو موجّهًا لمن يملكون “واسطة” أو قدرة مالية؟
تجارب سابقة أثبتت أن التوسع في عدد الأسرة لا يعني بالضرورة تحسن الخدمة، إذا لم يُصاحبه توفير كوادر طبية كافية، وتحسين أجور الأطباء والتمريض، وضمان توافر الأدوية والمستلزمات.
الصحة بين الشعارات والأزمات اليومية
يتحدث مدبولي عن “عدم توقف المستشفيات أثناء التطوير”، لكن الواقع داخل كثير من المستشفيات الحكومية يشهد على تدهور الخدمة أثناء أعمال التطوير، حيث تتكدس الأقسام، وتُغلق وحدات، ويُجبر المرضى على الانتظار أو التوجه لمستشفيات أخرى لا تقل ازدحامًا.
الأزمة الصحية في مصر ليست أزمة مبانٍ فقط، بل أزمة منظومة كاملة:
- أطباء يهاجرون بسبب ضعف الرواتب وسوء بيئة العمل.
- تمريض يعاني ضغطًا غير إنساني.
- مرضى يشترون الأدوية من خارج المستشفى رغم “العلاج المجاني”.
في هذا السياق، تبدو تصريحات رئيس الوزراء أقرب إلى محاولة تلميع صورة الحكومة منها إلى معالجة جذرية لأزمة متراكمة.
والمفارقة الصارخة أن هذه المليارات تُنفق في وقت تُطالب فيه الحكومة المواطنين بالصبر، وتُحمّلهم تبعات التقشف ورفع الدعم، وتبرر أي فشل اقتصادي بأنه “ظرف استثنائي”. لكن حين يتعلق الأمر بالصحة، فإن التقصير لا يُقاس بالأرقام في الموازنات، بل بالأرواح التي تُفقد، وبالمعاناة التي تتكرر يوميًا.
فإذا كانت الحكومة قد أنفقت فعلًا 25 مليار جنيه على تطوير خمسة مستشفيات فقط، فمن حق المواطن أن يسأل:
أين ذهبت هذه الأموال؟ ولماذا لا يشعر بها داخل غرف الطوارئ، أو في طوابير الغسيل الكلوي، أو في أقسام العناية المركزة؟
الخلاصة أن تصريحات مدبولي قد تبدو مطمئنة على الورق، لكنها تصطدم بواقع صحي هش، لا تعالجه الجولات التفقدية ولا الأرقام الضخمة وحدها. فالصحة ليست ملفًا للافتتاحات، ولا مناسبة للتصريحات، بل حق أساسي يجب أن يُقاس بمدى وصول الخدمة للمواطن البسيط، لا بعدد المليارات المُعلنة.
وإلى أن يشعر المواطن فعلًا بتحسن حقيقي في العلاج، ستظل أسئلة الثقة قائمة، وسيظل إنفاق 25 مليار جنيه رقمًا مثيرًا للشك، لا للاطمئنان.

