حتى بعد وفاته الأربعاء 6 يناير 2026 عن عمر يناهز مئة عام، استحوذ مراد وهبة، أستاذ الفلسفة بجامعة عين شمس على نصيب واسع من الجدل بين المثقفين ورواد التواصل الاجتماعي، بسبب مواقفه وانحيازه إلى الديكتاتورية، ودعوته إلى التطبيع مع الصهاينة.
في الوقت الذي أطرت فيه وسائل الإعلام الداعمة للنظام الانقلابي على وهبة، الذي كان من أشد الداعمين لانقلاب الجيش على حكم الرئيس محمد مرسي، حتى إنها وصفته بـ "فيلسوف العصر"، مشيدة بآرائه التي تنباها على الدوام في الانحياز إلى الاستبداد، ووقوفه في المعسكر الداعم لقائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي.
بينما ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بجدل واسع حول مواقف وهبة، وأفكاره التي قلل من أهميتها كثير من الكتاب والمعلقين، وكان لدعوته إلى التطبيع مع إسرائيل على الرغم مما فعلته بالفلسطينيين من أكثر ما أثار الجدل حول شخصية الأكاديمي الراحل.
أنا مع الجيش منذ عهد عبدالناصر
كان وهبة الذي يحلو لطائفة المثقفين والإعلام الرسمي في مصر وصفه بـ "المفكر" صاحب مواقف مناهضة لثورة 25 يناير، ولم يخجل حين تحدث عن نفسه في مقابلة صحفية مع صحيفة "المصري اليوم"، قائلاً: "أنا مع الجيش منذ عهد عبدالناصر وليس هناك بديل.."، واتساقًا مع موقفه المؤيد لديكتاتورية العسكر، جاءت إشادته بقائد انقلاب الثالث من يوليو 2013، بقوله: "عبدالفتاح السيسي أنقذ بوعيه مصر وكوكب الأرض".
قال هذا بينما أغمض عينه عن عشرات آلاف الضحايا لهذا النظام الديكتاتوري، ما بين قتلى ومعتقلين ومقيمين في المنقى، وكأنهم مخلوقات من كائنات أخرى وليسوا بشرًا يستحقون أن ينتفض كل ذي ضمير نصرة لهم.
ظل وهبة يردد ترهاته في وسائل إعلام النظام تنديدًا بما يسميه الإرهاب الجهادي الإخواني، وبلغ الأمر به أنه قال ذات مرة، إن "نظام حسني مبارك السابق ممثلاً في الحزب الوطنى الديمقراطي هو فرع من الإخوان المسلمين"، وهو أمر لا يتفق مع ما كان معروفًا عن هذا النظام من عداء للإخوان، وتهميشها واعتقالها العديد من قياداتها وأعضائها، وإحالتهم إلى محاكم عسكرية، لإصدار أحكام نافذة لا تقبل النقض.
التطبيع حتى النفس الأخير
وحتى وهو يوشك أن يغادر الحياة كان الرجل مصرًا على أفكاره البالية التي يدعو إليها منذ تسعينيات القرن الماضي، رافضًا التخلي على الرغم من أن السواد الأعظم من المصريين يلفظها ولا يؤمن بها، داعيًا إلى التطبيع مع العدو على الرغم مما فعله ويفعله يوميًا من جرائم يندى لها جبين الإنسانية، واصفًا الرافضين للتطبيع بأنهم "إخوان مسلمون".
وفي مقال نشرته "الأهرام" (15 سبتمبر 2020) أيّد قول جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي آنذاك ترامب وكبير مستشاريه: "إن الفلسطينيين لا يمكنهم الاستناد إلى الماضي في صياغة السلام".
وحتى بعد "طوفان الأقصى" صمت وهبة عن عما فعلته آلة الحرب الإسرائيلية، ولم يوجه تهمة الإرهاب إلى الكيان الذي قتل بدم بارد عشرات الآلاف من الفلسطينيين وشرد أكثر من مليوني ونصف مليون فلسطيني.
سلطان: آمن بالصهيونية كما لم يؤمن بها مخلوق من قبل
ووصف الكاتب جمال سلطان، وهبة بأنه صاحب لافتة "معارضة السيسي خيانة"، وأحد من صنعتهم "الدعاية، والعلاقات العامة، والتمسح في بلاط العسكر، وتسويق أجهزة دولة العسكر".
وقال: "الرجل الذي آمن بالصهيونية كما لم يؤمن بها مخلوق من قبل، ورفض بإصرار أن يدين ما حدث في غزة على مدار عامين والذي أدانته البشرية كلها، ولو بشطر كلمة، وكتب بحماس منقطع النظير يدعو العرب إلى التحالف مع إسرائيل".
تلميذته يمن الخولي: صهيوني أكثر من الصهاينة أنفسهم
وكان من أكثر التعليقات التي انتشرت على نطاق واسع ما كتبته الدكتورة يمن الخولي، أستاذ فلسفة العلوم ورئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة، والتي كتبت قائلة: " مات مراد وهبة.. خالص عزائي للصهيونية العالمية. فقد آمن بالصهيونية كما لم يؤمن بها مخلوق من قبل ولا من بعد. يصعب أن نقول: الله يرحمه، لأنه لم يرحم مئات الألوف من ضحايا غزة، فلم يغير موقفه قيد أنملة، ظلت إسرائيل في ناظريه فوق الحساب، مثلاً أعلى يحتذى في يسارها. وفي يمينها".
وأضافت: "هو الذي منحني درجة أستاذ مساعد، أعطاني الدرجات العليا في كل الأبحاث، وقال في تقريره ما لم يُقال في مدح بحوث من قبل.. ومع هذا يظل طيفه صاعقًا لي.. لأنه ملكي أكثر من الملك نفسه.. صهيوني أكثر من الصهاينة أنفسهم".

