سهام معط الله
أستاذة محاضرة في كلية الاقتصاد بجامعة وهران
في انعطافة تاريخية تهزّ أركان القانون الدولي، انقضّت القوات الأميركية في عملية مباغتة داخل الأراضي الفنزويلية، لتعتقل الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، وفق إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم 3 يناير الحالي، والذي كشف أنّه تابع عملية الاعتقال "بالبثّ الحي"، واصفًا إيّاها بأنّها "أشبه ببرنامج تلفزيوني"، في مشهد يثير ذكريات مأساوية عن لحظة القبض على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين التي دخلت بعدها بلاده نفقًا مظلمًا من الفوضى والصراع والفساد لم تخرج منه إلى يومنا هذا.
هذه الضربة العسكرية المباشرة التي وصفها ترامب بأنّها "واسعة النطاق"، جاءت تتويجًا مسلّحًا لمسار تصعيدي اتّسم بالقرصنة العلنية منذ بدايته أواخر 2025، عندما صنّفت واشنطن الحكومة الفنزويلية "منظّمة إرهابية أجنبية". لم تتردَّد الإدارة الأميركية في تنفيذ سياستها تجاه كاراكاس عمليًا، إذ احتجز خفر سواحلها ناقلة نفط فنزويلية، معلنًا نيته الاستيلاء على حمولتها، في سابقة تنقل الصراع إلى عمق المياه الدولية.
وتستهدف هذه السياسة، بحسب تقديرات بنك آي إن جي الهولندي (ING)، عرقلة ما يقارب 600 ألف برميل يوميًا من صادرات فنزويلا النفطية التي تشكِّل 1% من الإمداد العالمي، فيما يُتوقّع استمرار تدفُّق جزء منها نحو الأسواق الأميركية نفسها. وهكذا، يتحوَّل رئيس أقوى دولة في العالم إلى "قرصان القرن الحادي والعشرين". لا تتوقَّف تداعيات الحصار الأميركي الشامل على فنزويلا عند حدودها، بل تمتدّ لتُحدث زلزالًا في جغرافية الطاقة الإقليمية، إذ يتحوَّل النفط إلى سلاح في صراع القوى العظمى.
ففي عمق هذا الإعصار الجيوسياسي، تقف الصين بوصفها أكبر ضحية اقتصادية واستراتيجية، فهي الدائن الأكبر لكاراكاس بأكثر من 60 مليار دولار تُسدَّد عبر صفقات النفط. ولا يهدِّد الحصار بتجميد هذه الاستثمارات الهائلة فحسب، بل يضع مصافي التكرير الصينية المستقلّة (Teapots) التي تعتمد على ذلك الخام الثقيل، على حافة الهاوية، مُعرِّضًا إنتاجها لخطر التوقُّف وارتفاع تكاليفه. وهكذا يتحوَّل حصار واحد إلى محورٍ لإعادة تشكيل التحالفات والتدفّقات التجارية عبر النصف الغربي من الكرة الأرضية، معلنًا فصلًا جديدًا من المواجهة غير المباشرة بين واشنطن ومحور بكين-موسكو.
كما تمتدّ تبعات هذا الحصار لتطاول القوى الدولية الكبرى، إذ تواجه روسيا خطر تجميد استثماراتها الهائلة في قطاع الطاقة الفنزويلي، التي بلغت مليارات الدولارات عبر سنوات، ما يعني تراجعًا محتومًا لنفوذها الاستراتيجي في منطقة حيوية تُعتبر الفناء الخلفي للولايات المتّحدة، خاصّة مع تعطيل شبكات النقل السرِّية التي أنشأتها والمعروفة بـ"الأسطول الشبح". وبالتوازي، تدخل الهند في أزمة طاقة عميقة؛ إذ تهدِّد أزمة الإمدادات مصافيها العملاقة المصمَّمة خصّيصًا لتكرير النفط الثقيل الفنزويلي منخفض التكلفة، ما يدفع نيودلهي إلى البحث عن بدائل أكثر تكلفة قد تقوِّض تنافسية قطاعاتها الصناعية الحيويّة وترفع فاتورة وارداتها من الطاقة كثيرًا.
وتُشكِّل هذه البلطجة الأميركية على فنزويلا ضربة قاضية لأمل دول الكاريبي في إحياء اتّفاقية "بتروكاريبي" التاريخية، التي كانت تضمن لها إمدادات نفطية بأسعار رمزية وشروط ميسّرة، ممّا يدفع بها الآن نحو مصادر طاقة أكثر تكلفة تزيد من أعبائها الاقتصادية وتُهدِّد استقرارها. وبينما تدور عجلة هذه الأزمة، تواجه كوبا خطرًا وجوديًا حقيقيًا، إذ يهدِّد تعطيل ناقلات النفط الفنزويلي المدعوم بشلّ شريان الطاقة الحيوي للجزيرة، الأمر الذي ينذر بانهيار شامل في منظومة الكهرباء يتسبَّب في تعطيل المحطّات والمصانع ويهدِّد بتوقُّف المستشفيات وانهيار سلاسل الإمداد الغذائي، في مشهد يعصف بأركان الحياة الأساسية ويخاطر بدفع البلاد إلى حافة الانهيار التامّ.
وتتَّسع دوائر تأثير الهجوم العسكري الأميركي على فنزويلا لتبلغ جنوب أوروبا، إذ تتلقَّى شركتا "ريبسول" الإسبانية و"إيني" الإيطالية ضربة موجعة. فالعقوبات المشدَّدة والتصنيف الإرهابي لفنزويلا يُلغيان فورًا الاستثناءات الأميركية المحدودة التي كانت تسمح لهما بتسلُّم شحنات النفط مقابل سداد الديون المتراكمة. لقد تبخّرت بجرّة قلم تلك الآلية التي كانت تمثِّل شريان الأمل لاسترداد مليارات الدولارات العالقة، لتصبح تلك المطالبات المالية مجرّد أرقام حبيسة في سجلّات الديون الفنزويلية، في خسارة شبه مؤكَّدة تعصف بحسابات كبرى الشركات في القارّة العجوز.
في خضمّ أزمة تمويل خانقة تعاني منها برامج المساعدات المحلية في الولايات المتّحدة، تتواصل دون توقُّف دورة الإنفاق العسكري الهائل المُوجَّه ضدّ فنزويلا، إذ تجوب المياه الإقليمية في منطقة الكاريبي قوّة بحرية أميركية ضخمة تلتهم ملايين الدولارات يوميًا. وتكشف الأولويات هنا عن مفارقة صارخة تتمثّل في تقشّف قاسٍ وجوع مهدِّد للطبقة العاملة داخل البلاد، مقابل إنفاق عسكري غير محدود يهدف إلى تغيير الأنظمة في الخارج.
وبحسب موقع Peoples Dispatch الإعلامي، تنفق الولايات المتّحدة حوالى 18 مليون دولار يوميًا على حصارها على فنزويلا، إذ تُقدَّر التكلفة التشغيلية لمجموعة حاملات الطائرات المتطوِّرة Gerald R. Ford وحدها ما بين 6 إلى 8 ملايين دولار يوميًا، كما يضمّ هذا الانتشار الأميركي العائم قرابة السواحل الفنزويلية المدمِّرة الأميركية USS Jason Dunham التي تبلغ تكلفة تشغيلها اليومية حوالى مليونَي دولار، إلى جانب سفينة الهجوم البرمائي الكبيرة Iwo Jima، المصمَّمة لنقل آلاف مشاة البحرية، التي تكلِّف ما بين 1 إلى 3 ملايين دولار يوميًا عند نشرها.
ومن هنا، يُقدَّر إجمالي الفاتورة التشغيلية اليومية لهذه العمليات العسكرية البحرية المُركَّزة في بحر الكاريبي بما لا يقلّ عن 18 مليون دولار خلال كل 24 ساعة. ومنذ بدء هذا النشر في أواخر أغسطس الماضي، تجاوزت التكلفة الإجمالية التي يتحمّلها دافعو الضرائب الأميركيون عتبة الـ 600 مليون دولار، في مسار تصاعدي لا تلوح في الأفق نهايته. ولم يتمخَّض هذا الاستنزاف المالي الضخم إلا عن فشل ذريع في تحقيق الهدف المعلن الزائف بمنع تدفُّق المخدِّرات.
بالمقابل، تترنّح برامج المساعدات الغذائية المحلية الأكثر إلحاحًا على حافة الهاوية، مهدَّدة بالاندثار. ففي الوقت الذي تلتهم فيه القوّة البحرية الأميركية المستعدّة لغزو فنزويلا ما يفوق المليار ونصف المليار دولار، يبقى المواطن في الداخل رهين تقلبات لا تُحتمل. خلاصة القول، في سعيه المحموم لتحقيق طموحاته الإمبريالية، يتجاهل ترامب معاناة الكادحين والفقراء في أميركا، مُركِّزًا على تغيير الأنظمة والاستحواذ على النفط، خدمةً لأباطرته وتحقيقًا لحلم الهيمنة على النصف الغربي من العالم، في عناد واضح مع نظيره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

