يرى الكاتب جابور ماتيه في كتابه When the Body Says No أن الشفاء لا يبدأ من إجبار النفس على التفاؤل، بل من امتلاك الشجاعة للنظر إلى ما لا يعمل في حياتنا، وما اختلّ توازنه، وما يحاول الجسد والعقل رفضه. ينطلق هذا المقال من الفكرة نفسها ليجادل بأن الاعتماد على التفكير الإيجابي وحده قد يتحول من أداة دعم إلى عبء نفسي، خاصة عند التعامل مع القلق أو الحزن أو تدني تقدير الذات.

 

في الثقافة المعاصرة، يروج خطاب التنمية الذاتية لفكرة بسيطة: فكّر بإيجابية، وستتغير حياتك. صحيح أن طريقة التفكير تؤثر في كيفية تعامل الإنسان مع التحديات، لكن تحويل الإيجابية إلى حل شامل لكل الأزمات قد يزيد المعاناة بدل أن يخففها. يوضح المقال أن كثيرين يشعرون بأن هذا الخطاب يتجاهل ألمهم الحقيقي، أو يقلل من عمقه، وكأن المشاعر الصعبة خطأ يجب التخلص منه فورًا.

 

يشير المقال إلى أن هذا الطرح يأتي ضمن سياق موقع مايندفولنس، التي لا تدعو إلى إنكار المشاعر السلبية، بل إلى ملاحظتها وفهمها دون قمع أو إنكار.

 

تجاهل المشاعر السلبية لا يشفيها

 

يصبح التفكير الإيجابي سامًا عندما يدفع الإنسان إلى تجاهل مشاعر طبيعية مثل الحزن أو الغضب أو الخوف. هذه المشاعر لا تدل على ضعف، بل تعكس استجابة إنسانية لتجارب الحياة. عند مطالبة النفس الدائمة بـ«النظر إلى الجانب المشرق»، يدفن الإنسان ألمه مؤقتًا، لكنه لا يختفي.

 

يضرب المقال مثالًا بالحزن والفقد، إذ لا تمحو أي عبارات تحفيزية ألم خسارة شخص عزيز. قد تمنح الذكريات الإيجابية بعض السلوى، لكن استخدامها للهروب من الألم يعرقل التعافي. يوضح العاملون في الإرشاد النفسي أن السماح للمشاعر الصعبة بالظهور غالبًا ما يفتح بابًا للتحرر بدل الانهيار.

 

التفاؤل دون فعل قد يزيد الأزمة

 

يحمل التفاؤل طاقة تحفيزية، لكنه يتحول إلى فخ حين يشجع على السلبية أو الانتظار. الاعتقاد بأن «الأمور ستتحسن وحدها» دون خطوات عملية يرسخ الجمود. يعرض المقال مثالًا عن شخص يعاني ضغط العمل، يكرر لنفسه أن الغد سيكون أفضل، لكنه لا يضع حدودًا ولا يطلب دعمًا ولا يسعى لتغيير واقعه، فيستمر الضغط كما هو.

 

يساعد الإرشاد النفسي، سواء عبر جلسات مباشرة أو عبر الإنترنت، على تحقيق توازن بين الأمل والفعل. يدمج العلاج بين إعادة صياغة الأفكار الإيجابية عندما تكون مفيدة، وبين الاعتراف بأن التغيير الواقعي يتطلب قرارات وخطوات ملموسة.

 

الصمود الحقيقي لا يولد من الإنكار

 

يربط الخطاب الشائع بين الإيجابية والقدرة على التحمّل، لكنه يغفل أن الصمود لا ينشأ من تجاهل الألم. يبني الإنسان مرونته النفسية عندما يواجه الصعوبات، ويتكيف معها، ويتعلم آليات للتعامل معها.

يكشف المقال أن كثيرين يكتشفون قوتهم الحقيقية أثناء الأزمات، لا لأنهم أنكروها، بل لأنهم واجهوها بصدق. تسمح هذه المواجهة بتطوير مهارات التكيّف، وتحويل التجربة المؤلمة إلى مصدر نضج داخلي.

 

رؤية الجانب المشرق وحده تشوّه الحكم

 

يحذّر المقال من أن التركيز الحصري على الإيجابيات قد يقود إلى قرارات خاطئة. قد يبقى شخص في علاقة مؤذية لأنه يقنع نفسه بأن التفاؤل سيغير الطرف الآخر، متجاهلًا الضرر القائم. تؤكد المقاربة الصحية على ضرورة النظر إلى المخاطر والفرص معًا، واتخاذ قرارات تحترم الطموح والحدود في آن واحد.

في العلاج النفسي، يساعد هذا النهج الواقعي على تقييم الخيارات بوضوح، دون جلد للذات أو تبرير للأذى.

 

ضغط الإيجابية الدائمة مرهق نفسيًا

 

يشير المقال إلى أن إجبار النفس على الابتسام أثناء الانكسار الداخلي يستنزف الطاقة النفسية، ويعمّق القلق والشعور بالذنب. يظن البعض أن العجز عن التفكير الإيجابي يعني وجود خلل شخصي، بينما الحقيقة أن المشاعر الصعبة جزء طبيعي من التجربة الإنسانية.

 

يدعم الموقع مفهوم الرفاه القائم على الصدق مع الذات، لا على التفاؤل القسري. تتيح هذه المقاربة استقبال الفرح عندما يأتي، ومنح الحزن مساحته عندما يفرض نفسه.

 

ما البديل عن الإيجابية السامة؟

 

يخلص المقال إلى أن النمو الحقيقي يحتاج مزيجًا من الوعي الذاتي، وبناء الصمود، واتخاذ خطوات عملية، وطلب الدعم الاجتماعي أو المهني. لا يلغي هذا دور الإيجابية، لكنه يضعها في سياقها الصحيح كأداة مساعدة لا كحل وحيد.

 

في النهاية، لا تطلب الحياة من الإنسان أن يكون مبتهجًا دائمًا، بل أن يكون صادقًا. الاعتراف بثقل الأيام الصعبة قد يكون أول خطوة حقيقية نحو الشفاء، وطلب الدعم ليس فشلًا، بل فعل وعي وشجاعة.

 

https://www.mind-fullness.org/blog/why-positive-thinking-alone-doesnt-work