للعام الثاني على التوالي، تجد دار المرايا للثقافة والفنون نفسها خارج واحد من أهم الفعاليات الثقافية في مصر والعالم العربي، بعد إعلان منعها من المشاركة في الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، المقرر انعقادها في الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026، بمركز مصر للمعارض الدولية، دون إبداء أي أسباب أو مبررات رسمية من الجهات المنظمة.
القرار، الذي وصفته الدار بأنه استمرار لـ«نهج غامض وغير مبرر»، أعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة متجددة حول معايير المشاركة في المعرض الأكبر عربيًا، وحدود حرية النشر، ودور المؤسسات الرسمية في تنظيم المجال الثقافي، في ظل غياب الشفافية وغياب الردود الرسمية.
صمت بلا تبرير
المدير التنفيذي لدار المرايا، يحيى فكري، أكد أن الدار لم تتلقَّ حتى اللحظة أي إخطار رسمي يوضح أسباب المنع، رغم محاولات التواصل المستمرة مع الهيئة العامة المصرية للكتاب وإدارة المعرض منذ العام الماضي.
وقال فكري إن «الدار تقدمت بكافة الطرق الممكنة، سواء عبر الموقع الإلكتروني أو من خلال التقديم المباشر، لكننا لم نحصل في أي مرحلة على رد أو ملاحظة أو تفسير. الموقع أغلق، ثم حاولنا بشكل مباشر، وانتهى الأمر بلا أي إجابة».
وأوضح أن البيان الذي أعلن المنع هذا العام لم يحمل أي جديد مقارنة بالعام الماضي، مضيفًا أن «الدار تتعامل مع جدار صامت، لا يوضح أسباب القرار ولا يفتح بابًا للحوار أو التصحيح».
بيان رسمي.. وأسئلة معلّقة
وفي بيان نشرته دار المرايا عبر صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك، أكدت أن «هيئة الكتاب قررت للسنة الثانية على التوالي منع المرايا من المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، دون إبداء أسباب أو تقديم مبررات»، معتبرة أن القرار يفتقر إلى الحد الأدنى من الشفافية الإدارية.
وأشار البيان إلى أن الدار لجأت هذا العام إلى اتحاد الناشرين المصريين في محاولة لحل الأزمة أو على الأقل فهم خلفيات القرار، إلا أن تلك المساعي لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة.
تاريخ طويل من المشاركة والجوائز
المنع المتكرر يكتسب حساسية أكبر إذا ما وُضع في سياقه التاريخي؛ إذ شاركت دار المرايا بانتظام في معرض القاهرة الدولي للكتاب منذ عام 2017 وحتى دورة 2024، دون انقطاع، وحصلت خلال تلك السنوات على جوائز من المعرض في مناسبتين، ما يعكس – بحسب الدار – التزامها بالمعايير المهنية والإدارية المعتمدة.
وأكد فكري أن جميع أوراق الدار القانونية والإدارية «سليمة ومنضبطة»، ولا توجد ضدها أي مخالفات معلنة، متسائلًا: «إذا كانت هناك مشكلة، لماذا لا يتم إخطارنا بها؟ ولماذا لا يُمنح الناشر حق التصحيح أو الطعن؟».
هل الاستهداف مقصود؟
وحول ما إذا كان القرار يستهدف دار المرايا تحديدًا، قال فكري إن الإجابة عن هذا السؤال «صعبة»، مضيفًا: «لو كنت أعرف السبب كنت قلت. نحن لا نملك أي معلومات، ولا نعرف لماذا المرايا دون غيرها».
وفي ما يتعلق بفرضية ارتباط المنع بتوجهات الدار الفكرية أو السياسية، نفى فكري وجود منطق واضح لهذا الربط، مؤكدًا أن «هناك دور نشر كثيرة تقدم أفكارًا سياسية أو تقدمية وتشارك في المعرض دون مشاكل»، معتبرًا أن منع دار المرايا وحدها «أمر غير مفهوم».
وطالب فكري بضرورة صدور توضيح رسمي من الهيئة العامة للكتاب أو إدارة المعرض، يشرح أسباب المنع بشكل واضح، سواء للرأي العام أو للدار نفسها.
خسائر اقتصادية وثقافية
اقتصاديًا، يمثل القرار ضربة قوية للدار، وفقًا لما أكده مديرها التنفيذي، مشيرًا إلى أن معرض القاهرة الدولي للكتاب يُعد السوق الرئيسي لصناعة النشر في مصر، خاصة في ظل تراجع مبيعات المكتبات واعتماد دور النشر بشكل أساسي على المعارض الكبرى لتصريف إصداراتها.
وأوضح فكري أن «غيابنا عن المعرض يعني خسائر مالية كبيرة، ليس فقط من حيث المبيعات، ولكن أيضًا من حيث الحضور المعنوي والتواصل مع القراء والكتّاب».
وأشار إلى أن الدار نظمت معرضًا موازيًا العام الماضي لتعويض جزء من الخسائر، ونجحت في تحقيق بعض المكاسب، إلا أن تلك المبادرة لم تعوض الغياب عن المعرض الرسمي، الذي يظل «الأكثر أهمية وتأثيرًا».
خلفية من الأزمات والملاحقات
قرار المنع الحالي لا يأتي بمعزل عن سياق أوسع من الأزمات التي واجهتها دار المرايا خلال السنوات الأخيرة. ففي يوليو 2024، اقتحمت قوة من مباحث قسم عابدين ومباحث المصنفات الفنية ومباحث التهرب الضريبي مقر الدار، حيث جرى التحفظ على 217 كتابًا، وجهازي كمبيوتر، وأربع كراتين من الملفات والمستندات المالية، إلى جانب القبض على المساعد الإداري، الذي كان الوحيد المتواجد بالمقر آنذاك.
وسبق ذلك في سبتمبر 2022، مثول يحيى فكري أمام نيابة عابدين على خلفية محضر «مصنفات فنية»، عقب مداهمة استمرت نحو سبع ساعات لفحص تراخيص الدار وعقود النشر وأجهزة الكمبيوتر.
كما مُنعت دار المرايا من عرض وبيع ديوان «كيرلي» للشاعر والناشط أحمد دومة في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2021.

