أصبحت سماعات البلوتوث جزءًا لا يتجزأ من حياتنا العصرية، إذ بات كثير من مستخدمي الهواتف بشكل خاص يعتمدون عليها، نظرًا لكونها تمثل حلاً عمليًا عندما يتعذر الحديث عبر الهاتف مباشرة.
لكن هل سماعات البلوتوث آمنة تمامًا على صحتنا؟، هل هناك إشعاع كهرومغناطيسي منها؟، هل يمكن أن يؤدي الاستخدام المطول إلى مشاكل صحية خفية، مثل الصداع أو التعب أو حتى تغيرات في الغدة الدرقية؟
كيف تعمل سماعات البلوتوث؟
تقنية البلوتوث هي نوع من التقنيات اللاسلكية التي تسمح لسماعات الأذن بالاتصال بالهاتف أو الكمبيوتر المحمول أو الساعة الذكية- بدون أسلاك، وتعمل باستخدام موجات الراديو، وهي مشابهة جدًا لتلك التي يستخدمها الواي فاي أو حتى الميكروويف.
ومعظم سماعات البلوتوث تعمل بتردد منخفض الطاقة يبلغ 2.4 جيجاهرتز. وعلى الرغم من انخفاض مستوى الطاقة، إلا أن جهاز البلوتوث غالبًا ما يكون قريبًا جدًا من الدماغ أو الغدة الدرقية، وأحيانًا لساعات يوميًا، مما يُعد تعرضًا مطولًا للإشعاع الكهرومغناطيسي المنبعث منها، بالقرب من أكثر أعضاء الجسم حساسية.
وقد تظهر الآثار الجانبية لاستخدام سماعات البلوتوث، وهي أعراض خفيفة مثل تشوش الذهن، وألم الأذن، أو حتى اضطرابات النوم، لكنها لا تظهر دائمًا بشكل فوري أو حاد، إلا أنه مع مرور الوقت، قد تتراكم مشاكل استخدامها تدريجيًا.
لذا فإن فهم كيفية عمل تقنية البلوتوث هو الخطوة الأولى لاستخدامها بوعي.
ما هو الإشعاع الكهرومغناطيسي؟
المجالات الكهرومغناطيسية. هي عبارة عن موجات طاقة غير مرئية تحيط بنا. وتنتج عن أشياء مثل خطوط الكهرباء، والهواتف المحمولة، وأجهزة توجيه الواي فاي، وحتى سماعات البلوتوث.
وتوجد الآن أنواع مختلفة من المجالات الكهرومغناطيسية:
المجالات الكهرومغناطيسية منخفضة التردد: مثل تلك الصادرة عن خطوط الكهرباء
المجالات الكهرومغناطيسية عالية التردد: مثل الأشعة السينية أو الأشعة المقطعية (والتي نعلم أنها قد تكون ضارة عند الإفراط في استخدامها)
الإشعاع منخفض الطاقة وغير المؤين: ما تصدره سماعات البلوتوث
وهذا الأخير يُعتبر عمومًا "آمنًا"، لأنه لا يُلحق الضرر بالحمض النووي بشكل مباشر كما قد تفعل الأشعة السينية.
لكن عليك أن تتعامل مع الإشعاع الكهرومغناطيسي المنبعث من سماعات البلوتوث كما لو كان سكرًا، القليل منه بين الحين والآخر لا يضر، لكن التعرض المستمر، يوماً بعد يوم، عامًا بعد عام؟ عندها قد تظهر آثاره في صورة علامات خفية للتوتر.
ويطلق على هذا أيضًا اسم التلوث الكهرومغناطيسي- الإشعاع غير المرئي المنبعث من جميع أجهزتنا الإلكترونية- شبكة الواي فاي، والهواتف الذكية، وسماعات البلوتوث، وحتى الأجهزة الكهربائية.
وصنفت منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لأبحاث السرطان بعض المجالات الكهرومغناطيسية على أنها "مسببة للسرطان على الأرجح لدى البشر".
سماعات البلوتوث والصحة
إحدى الدراسات التي لفتت انتباهي بشدة نُشرت في مجلة نيتشر عام 2024 أظهرت أن استخدام سماعات البلوتوث من بين أهم العوامل التي تنبئ بخطر الإصابة بعقيدات الغدة الدرقية.
وكلما زاد عدد الساعات التي يستخدم فيها الأشخاص سماعات البلوتوث الخاصة بهم يوميًا، زاد خطر إصابتهم .
وكان معظم المشاركين في الدراسة يستخدمون أجهزة داخل الأذن، وذلك بشكل أساسي للاستماع إلى الموسيقى.
من بين مستخدمي البلوتوث، كان لدى 12.2 بالمائة منهم عقيدات في الغدة الدرقية. وقد تصل نسبة الأشخاص الذين يعانون منها دون علمهم إلى 67 بالمائة.
والغدة الدرقية، هي واحدة من أكثر الأعضاء حساسية للإشعاع في الجسم، وهي معرضة بشكل خاص للإشعاع غير المؤين، الذي تصدره أجهزة البلوتوث بالقرب من الرقبة.
والغدة الدرقية حساسة بالفعل للإشعاع المنبعث من الهواتف المحمولة، والذي تم ربطه بتغيرات في مستويات TSH و T3 و T4.
وأظهرت الدراسات التجريبية الإجهاد التأكسدي وتلف الحمض النووي وحتى التغيرات الخلوية في أنسجة الغدة الدرقية المعرضة للمجالات الكهرومغناطيسية.
وتُعد هذه الدراسة واحدة من أوائل الدراسات التي تتناول بجدية التعرض الخاص بتقنية البلوتوث، وليس فقط المجالات الكهرومغناطيسية العامة للهواتف المحمولة.
واستكشفت دراسة بحثية أخرى تأثير الإشعاع المنبعث من التقنيات اللاسلكية، مثل تقنية البلوتوث، على الدم والقلب والجهاز العصبي اللاإرادي.
واظهرت النتائج التي نشرتها مجلة الصحة البيئ، أن الإشعاع المنبعث من التكنولوجيا اللاسلكية يؤثر على الدم والقلب والجهاز العصبي اللاإرادي.
ماذا يحدث داخل الجسم؟
تميل خلايا الدم الحمراء إلى التكتل معًا (وهي ظاهرة تسمى تكوين الرولو) بعد التعرض للمجالات الكهرومغناطيسية.
وقد يعاني الناس من ضغط في الصدر، وخفقان في القلب، وقلق- وهي أعراض غالبًا ما يتم تجاهلها باعتبارها إجهادًا أو أعراضًا نفسية جسدية.
وهناك خلل ملحوظ في الجهاز العصبي، حيث يتم تنشيط استجابة "الكر والفر" (الجهاز العصبي الودي)، ويتم قمع جانب "الراحة والهضم" (الجهاز العصبي اللاودي).
فرط الحساسية الكهرومغناطيسية
بعض الأفراد لديهم أكثر حساسية من غيرهم. إذ تصف الدراسة حالة متنامية تسمى فرط الحساسية الكهرومغناطيسية (EHS) - والتي يشار إليها أيضًا باسم "متلازمة الشيخوخة السريعة".
وغالبًا ما يُبلغ الأشخاص المصابون بفرط الحساسية الكهرومغناطيسية عن:
التعب
التشوش الذهني
الدوخة
إحساس بالوخز
الأرق
القلق في البيئات التي تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا
العديد من هذه الأعراض تعكس ما عاناه مشغلو الرادار الأوائل في منتصف القرن العشرين- عندما بدأ تعرض الإنسان للمجالات الكهرومغناطيسية التي صنعها الإنسان.
إذا كنت ممن يستخدمون سماعات البلوتوث لساعات طويلة يوميًا، إليك بعض الطرق التي يمكنك من خلالها تقليل الآثار الجانبية والمشاكل الشائعة لاستخدامها:
قاعدة 60/60: استخدم سماعات البلوتوث لمدة أقصاها 60 دقيقة في المرة الواحدة، وبمستوى صوت 60 بالمائة. فالأذن والجهاز العصبي بحاجة إلى فترات راحة.
اختر سماعات سلكية جيدة، فهي تقلل من الإشعاع الكهرومغناطيسي، وبالتالي تقلل المخاطر.
لا تستخدمها أثناء الشحن: البلوتوث مع الشحن يؤدي إلى زيادة مفاجئة في التعرض للمجالات الكهرومغناطيسية..
بدّل بين الأذنين باستمرار: لا تدع جانبًا واحدًا يتحمل كل الإشعاع. بدّل بين الأذنين إذا كنت تجري مكالمات طويلة.
لا تنم وأنت متصل بسماعة البلوتوث: هذا خطأ. امنح جسمك راحة تامة، بعيدًا عن أي مؤثرات خارجية أو مجالات كهرومغناطيسية.
أبقِها بعيدة عن الجسك: لا تضعها في جيبك، ولا حول رقبتك. يستمر الإشعاع الكهرومغناطيسي المنبعث من سماعات الرأس حتى عندما تكون غير مستخدمة.
جرّب الخيارات المحمية: إذا كنت ممن يكثرون من المكالمات الهاتفية، ففكّر في الاستثمار في أدوات الحد من الإشعاع الكهرومغناطيسي، فإنها تُحدث فرقًا.
فيما يلي بعض الأدوات المتعلقة بنمط الحياة لتقليل الآثار الجانبية لسماعات الرأس والتعرض المفرط للمجالات الكهرومغناطيسية:
المغنيسيوم، النحاس، الحديد:
من المعروف أن المجالات الكهرومغناطيسية تستنزف المغنيسيوم والحديد والنحاس.
يُعدّ المغنيسيوم عنصرًا أساسيًا لصحة الأعصاب وتهدئة الجهاز العصبي. تناول المزيد من السبانخ وبذور اليقطين واللوز والشوكولاتة الداكنة.
يلعب الحديد والنحاس دورًا في كيفية تعامل الجسم مع الإجهاد التأكسدي، وهو أحد الأسباب الرئيسة لمشاكل استخدام سماعات البلوتوث مثل التعب، وتشوش الذهن، وشيخوخة الخلايا. لذا، يُنصح بتناول البنجر، والكبد، والعدس، وبذور السمسم، والخضراوات الورقية الداكنة.
مضادات الأكسدة
الإجهاد التأكسدي الناتج عن الإشعاع حقيقة واقعة. أضف التوت والكركم والشاي الأخضر والأملا إلى نظامك الغذائي اليومي. فهذه الأطعمة تساعد على حماية خلاياك وتقليل مخاطر الآثار الجانبية لسماعات البلوتوث مع مرور الوقت.
ابتعد عن الأجهزة
خصّص فترات راحة من التكنولوجيا خلال اليوم، وبخاصة قبل النوم. لا تتصفح الإنترنت، ولا تتصل بها. دع عقلك وجسمك يستعيدان إيقاعهما الطبيعي.
المشي حافي القدمين
للتأريض تأثير قوي. امشِ حافي القدمين على العشب، أو اقضِ بعض الوقت في الغابات أو على شاطئ البحر. فهذا يُعادل الإجهاد الكهربائي الناتج عن المجالات الكهرومغناطيسية.
التأمل
للتنفس العميق والتأمل البسيط القدرة على إعادة ضبط الجهاز العصبي اللاإرادي. ولا تزال هذه الأدوات القديمة من أكثر العلاجات فعاليةً للإشعاع الكهرومغناطيسي. والموازنة بين التكنولوجيا والطبيعة هذا هو السبيل الأمثل للمستقبل.

