يواصل قطاع غزة، لليوم الثالث والثمانين على التوالي، دفع ثمن الخروقات الإسرائيلية المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار، في وقت تتصاعد فيه المأساة الإنسانية مع اشتداد تأثير المنخفض الجوي، الذي حوّل خيام النازحين إلى برك مياه، وعمّق معاناة أكثر من مليون فلسطيني يعيشون أوضاعًا توصف بالكارثية.

 

قصف شمالًا وإطلاق نار جنوبًا

 

ميدانيًا، أفاد مراسلون ومصادر محلية بتجدد الاعتداءات الإسرائيلية على مناطق متفرقة من القطاع، حيث استهدف قصف مدفعي إسرائيلي المناطق الشرقية من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، ما أثار حالة من الهلع بين السكان، في ظل وجود عائلات نازحة تقيم قرب مناطق القصف.

 

وفي جنوب القطاع، أطلقت الدبابات الإسرائيلية النار بكثافة داخل مناطق انتشار قوات الاحتلال شرقي مدينة خان يونس، بالتزامن مع قصف مدفعي متواصل منذ ساعات الصباح الأولى أمس الجمعة، ما أدى إلى إصابات في صفوف المدنيين، بينهم نازحون يقيمون في خيام مؤقتة لا توفر أي حماية.

 

كما أفادت مصادر صحفية بإصابة أربعة مواطنين من سكان خيام النازحين شمالي مدينة رفح، جراء إطلاق نار من ثكنات عسكرية إسرائيلية أُقيمت داخل ما تبقى من مبانٍ سكنية مدمرة.

 

شهيد وإصابات في خان يونس

 

وفي تطور مأساوي، استشهد الشاب أحمد حسام زيدان نعيم، من سكان بيت حانون، أثناء نزوحه داخل مدرسة أحمد عبد العزيز في خان يونس، بعدما أطلقت قوات الاحتلال المتمركزة شرقي المدينة النار باتجاه المكان.

 

كما أُصيب عدد من المواطنين جراء إطلاق الرافعات والآليات الإسرائيلية النار على مناطق متفرقة جنوب المدينة.

 

وتأتي هذه التطورات في سياق خروقات إسرائيلية متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 11 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، برعاية أميركية ووسطاء إقليميين، إلا أن الوقائع الميدانية تؤكد هشاشة الاتفاق واستمرار الانتهاكات اليومية.

 

أرقام دامية منذ وقف النار

 

وبحسب معطيات محلية، أسفرت الخروقات الإسرائيلية منذ توقيع الاتفاق عن استشهاد 422 مواطنًا وإصابة 1153 آخرين، في وقت لا تزال فيه آلة القتل تعمل بوتيرة أقل حدة من الحرب الشاملة، لكنها مستمرة في حصد الأرواح، خاصة في المناطق الشرقية والشمالية من القطاع.

 

وكان الاتفاق قد أنهى حرب إبادة جماعية شنتها إسرائيل في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، واستمرت قرابة عامين، وأسفرت عن أكثر من 71 ألف شهيد، وما يزيد عن 171 ألف جريح، إلى جانب دمار واسع في البنية التحتية، قدّرت الأمم المتحدة كلفة إعادة إعماره بنحو 70 مليار دولار.

 

المنخفض الجوي يضاعف الكارثة

 

بالتوازي مع القصف، ضرب منخفض جوي عنيف قطاع غزة منذ ليل الخميس وحتى فجر الجمعة، متسببًا في غرق مئات خيام النازحين، خصوصًا في مناطق مواصي خان يونس ورفح جنوب القطاع، إضافة إلى مخيم النصيرات وسط غزة.

 

وأكدت مصادر ميدانية أن الأمطار الغزيرة والرياح العاتية اقتلعت عشرات الخيام، وأغرقت الطرقات، ما ترك آلاف العائلات في العراء، وسط نقص حاد في الأغطية ووسائل التدفئة، وانعدام شبه كامل للخدمات الصحية.

 

وفي حادثة مؤلمة، توفيت الطفلة ملك رامي غنيم متأثرة بالبرد القارس داخل خيمة للنازحين في مخيم النصيرات، في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشها الأطفال في ظل الحصار والدمار وغياب مقومات الحياة الأساسية.

 

تحذيرات من كارثة أوسع

 

وقال المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني، الرائد محمود بصل، إن سلسلة المنخفضات الجوية الأخيرة تسببت بكوارث إنسانية واسعة، مشيرًا إلى انهيار مبانٍ مهددة بالسقوط سبق أن تعرضت لقصف إسرائيلي خلال الحرب.

 

وأوضح أن جهاز الدفاع المدني يعاني عجزًا خطيرًا في المعدات والآليات اللازمة لانتشال الضحايا، محذرًا من ارتفاع عدد الضحايا في حال استمرار الأحوال الجوية القاسية دون تدخل عاجل.

 

ودعا بصل إلى إدخال كرفانات وبيوت متنقلة، وإقامتها في مناطق آمنة بعيدًا عن المباني المهددة، مع توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الإنسانية، مؤكدًا أن ذلك يتطلب تدخلًا دوليًا فوريًا.

 

هشاشة البنية التحتية وصمت دولي

 

من جهته، حذّر مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، إسماعيل الثوابتة، من كارثة إنسانية وشيكة، في ظل هشاشة البنية التحتية الناتجة عن التدمير الواسع الذي خلّفه العدوان الإسرائيلي.

 

وأشار إلى أن غزارة الأمطار وشدة الرياح واحتمالات تشكل السيول وتجمع المياه في المناطق المنخفضة تزيد من تعقيد المشهد الإنساني، مؤكدًا أن آلاف العائلات ما تزال تقيم في مراكز إيواء مؤقتة وخيام لا تقي من برد الشتاء ولا من مخاطر الانهيارات.

 

خيام تتحول إلى مصائد موت

 

ومع دخول فصل الشتاء، تتفاقم معاناة أكثر من مليون نازح في قطاع غزة، في ظل التأخير المستمر في إدخال مواد الإيواء والإعمار، وعلى رأسها الكرفانات.

 

وتحولت الخيام، التي كان يفترض أن تكون ملاذًا مؤقتًا، إلى مصائد خطر تهدد حياة الأطفال والنساء وكبار السن.

 

وأدت الأحوال الجوية العنيفة إلى غرق مئات الخيام وتحولها إلى برك مائية، في وقت يقف فيه سكان القطاع بين نيران القصف الإسرائيلي وبرد الشتاء القاتل، وسط صمت دولي وانتظار لتدخل إنساني حقيقي يضع حدًا لهذه المأساة المتواصلة.