موافقة صندوق النقد الدولي على صرف 2.5 مليار دولار لمصر عن المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج القرض الممدد، رغم إخفاق النظام المصري الفاضح في تنفيذ التزاماته، تكشف بجلاء عن صفقة سياسية قذرة تدفع فيها الإدارة الأمريكية ثمن تواطؤ القاهرة في حصار غزة وتجويع سكانها. لم يعد الأمر مجرد تساهل مع نظام فاشل اقتصاديًا، بل أصبح الصندوق أداة صريحة لشراء المواقف السياسية ومكافأة الأنظمة المتواطئة مع الاحتلال الإسرائيلي على حساب الشعوب العربية.

 

تأجيل المراجعتين لأكثر من تسعة أشهر كان بسبب فشل النظام الذريع في تنفيذ برنامج الخصخصة الموعود، ثم جاءت الموافقة المفاجئة في الثالث والعشرين من ديسمبر 2025 رغم استمرار هذا الفشل. الرسالة واضحة: التواطؤ مع الاحتلال يُسقط كل الشروط الاقتصادية، والسكوت على إبادة الفلسطينيين يفتح خزائن صندوق النقد حتى للأنظمة الأكثر فسادًا وفشلًا.

 

وعود كاذبة وفشل منظم في الخصخصة

 

النظام المصري وعد صندوق النقد مرارًا ببرنامج طموح لخصخصة الشركات الحكومية، وكان بنك القاهرة على رأس القائمة، لكن لم يحدث شيء. القيمة الفعلية للطروحات التي تمت لا تُذكر مقارنة بالوعود الكبرى التي قُدمت للصندوق. النظام يتاجر بالوعود ولا ينفذ شيئًا، ويعلم أن واشنطن ستغطي على فشله طالما استمر في خدمة المصالح الإسرائيلية.

 

الخصخصة التي يتحدث عنها النظام ليست إلا عملية بيع الأصول الوطنية بأبخس الأثمان لرجال أعمال موالين أو صناديق استثمار أجنبية، دون أي شفافية أو محاسبة. الهدف ليس إصلاح الاقتصاد بل نهب ما تبقى من موارد الدولة وتحويلها لجيوب المقربين من السلطة.

 

اختفاء الشفافية وتعتيم منظم على البيانات

 

الأخطر من الفشل في الخصخصة هو التراجع الكارثي في الشفافية والإفصاح. رغم وعود النظام المتكررة للصندوق بنشر ميزانيات الشركات الحكومية والشركات التابعة للجيش، لم يحدث ذلك حتى اللحظة. بل على العكس، تدهورت حالة الإفصاح بشكل غير مسبوق:

 

•  بيانات البنوك المصرية متوقفة عند يونيو 2025 رغم اقتراب نهاية العام


•  بيانات الدين العام الداخلي متوقفة منذ يونيو 2020


•  بيانات الشركات الحكومية متوقفة منذ العام المالي 2022/2023


•  البيانات التفصيلية للسياحة متوقفة منذ 2018


•  التقارير الدورية لجهاز المحاسبات لم تُنشر كما وُعد


هذا التعتيم المنظم يهدف إلى إخفاء حجم الكارثة الاقتصادية وإخفاء فساد الصفقات ونهب المال العام. النظام يعلم أن أي إفصاح حقيقي سيكشف حجم الانهيار الاقتصادي وحجم الثروات المنهوبة، لذلك يفضل التعتيم الكامل، وصندوق النقد يغض الطرف طالما النظام يخدم الأجندة الأمريكية-الإسرائيلية.

 

ثمن التواطؤ: بيع القضية الفلسطينية مقابل دولارات الصندوق

 

الموقف المصري من حرب الإبادة على غزة هو المفتاح الحقيقي لفهم موافقة الصندوق. سكوت القاهرة عن الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، ورفضها إدخال معدات رفع الأنقاض إلا للبحث عن جثامين إسرائيليين، ومنعها إدخال الكرافانات لحماية سكان غزة من البرد والأمطار التي أغرقت الخيام، كل ذلك كان جزءًا من صفقة قذرة مع واشنطن.

 

النظام المصري حوّل معاناة الفلسطينيين إلى ورقة مساومة للحصول على دولارات صندوق النقد. في يناير 2024، ذهب وزير المالية ووزيرة التعاون الدولي ومحافظ البنك المركزي لواشنطن لمقابلة وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين، وخلال أقل من شهرين زاد قرض الصندوق من 3 مليارات إلى 8 مليارات دولار. الرسالة واضحة: تواطؤكم في حصار غزة يستحق المكافأة.

 

الموانئ المصرية سهّلت مرور السفن العسكرية المتجهة لإسرائيل، وقناة السويس فتحت أبوابها للسفن الحربية الإسرائيلية، ومصر أمدت الاحتلال بالسلع الغذائية وغيرها. كل ذلك مقابل أن تتجاوز واشنطن عن فشل النظام الاقتصادي وتأمر صندوق النقد بفتح خزائنه.

 

السيطرة الأمريكية على صندوق النقد ليست نظرية مؤامرة بل واقع موثق. واشنطن تمتلك 16.49% من حقوق التصويت، لكنها فرضت نصابًا للموافقة بـ85%، مما يعطيها حق الفيتو المطلق على أي قرض. التجربة السودانية والسورية تؤكد النمط: تطبيع مع إسرائيل يساوي فتح أبواب الصندوق، معاداة الاحتلال تساوي إغلاق تام.

 

النظام المصري باع القضية الفلسطينية بثمن بخس، وتواطأ في إبادة جماعية مقابل دولارات لن تنقذ اقتصادًا منهارًا بل ستذهب لسد الثغرات وإثراء الفاسدين. هذه ليست سياسة اقتصادية بل خيانة وطنية وقومية بكل المقاييس، والشعب المصري يدفع الثمن مرتين: مرة بالانهيار الاقتصادي، ومرة بالعار الأخلاقي والتاريخي.