مع اقتراب ذكرى ثورة 25 يناير، يعيش قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي حالة رعب دائمة من تكرار اللحظة التي أسقطت مبارك، ليس لأنه يخشى على "استقرار الدولة" كما يزعم، بل لأنه يدرك أن أي موجة غضب شعبي ستكون نهايته الحتمية. يناير ليست مجرد حدث تاريخي عابر، بل هي الحقيقة التي تفضح كذب النظام، والمرآة التي تعكس حجم الكارثة التي أوقع بها السيسي مصر خلال أكثر من عشر سنوات من الحكم الاستبدادي.

 

في هذا السياق، تتصاعد الأصوات المطالبة بالتغيير الجذري، حيث أعلن المجلس الثوري المصري عبر حسابه الرسمي (@ERC_egy) مبادئ أساسية تقوم على إسقاط النظام العسكري الدكتاتوري، وتفكيك مراكز القوى، وبناء نظام ديمقراطي حقيقي. بالتوازي، نشر حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) قراءة سياسية معمقة اعتبرت أن "ثورة يناير هي الكابوس الذي يلاحق السيسي حتى اليوم"، مؤكدةً أن النظام لا يخشى انهيار الدولة، بل يخشى انهيار بنيته الشخصية المرتبطة بشخص السيسي وسياساته الكارثية.

 

يناير تفضح كذبة "هدم الدولة": من الذي دمر مصر حقاً؟

 

الرواية التي يروّج لها نظام السيسي بأن يناير "هدمت الدولة" هي أكبر كذبة يتم تسويقها لتخويف المصريين من المطالبة بحقوقهم. الحقيقة الموثقة تقول إن يناير، رغم اضطراب مرحلتها الانتقالية، لم تُغرق مصر في ديون تفوق 165% من الناتج المحلي، ولم تبع الأرض والسيادة للإمارات والسعودية، ولم تسلم تيران وصنافير، ولم تحول الاقتصاد إلى إقطاعيات عسكرية تحتكر كل شيء من الأسمنت إلى المكرونة.
المقارنة قاسية على السيسي: في الثلاث سنوات التي تلت يناير، لم تشهد مصر بيع شواطئها وجزرها، ولم يُفرض على المصريين تعويم جنوني للعملة محا قيمة مدخراتهم، ولم يُسجن عشرات الآلاف من الشباب في زنازين التعذيب، ولم تُطلق الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين. كل الكوارث التي تعيشها مصر اليوم من إفقار ممنهج وقمع شامل وتفريط في السيادة، حدثت في عهد الرجل الذي يدّعي أنه "أنقذ الدولة من الإخوان".

 

حزب تكنوقراط مصر أكد في قراءته أن "أي ثورة قادمة لن تكون بسبب يناير نفسها، بل نتيجة السياسات التي انتهجها السيسي: الإفقار الممنهج، القمع الشامل، التفريط في الأرض والسيادة، وتهميش إرادة الناس". هذه الحقيقة هي ما يرعب النظام، لأنها تعني أن المصريين لن يثوروا حنيناً ليناير، بل هرباً من جحيم السيسي.

 

المجلس الثوري يضع خريطة طريق لمصر ما بعد الديكتاتورية

 

في 21 نوفمبر و28 ديسمبر، أعاد المجلس الثوري المصري عبر (@ERC_egy) نشر "المبادئ الأساسية للمجلس الثوري المصري"، وهو إعلان شامل يضع أسساً سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية لمشروع بديل للنظام القائم. الإعلان ليس مجرد شعارات، بل خطة عمل واضحة تبدأ بالتأكيد على أن "النظام القائم غير قابل للإصلاح من الداخل، وأن الحل يكمن في تغيير جذري يعيد السلطة للشعب ويحقق العدالة الاجتماعية".

 

سياسياً، يركز الإعلان على إسقاط النظام العسكري وتفكيك مراكز القوى في الدولة البوليسية، وإصلاح القضاء والإعلام، وبناء جيش مهمته الدفاع عن الوطن لا السيطرة على الاقتصاد والتدخل في السياسة. كما يضع تحرير المعتقلين السياسيين على رأس أولوياته، في إشارة واضحة إلى عشرات الآلاف المسجونين ظلماً في سجون السيسي.

 

اقتصادياً، يطرح المجلس تصوراً لدولة ترعى مصالح جميع المواطنين، وتضع الرفاه الاجتماعي في المقدمة عبر الصحة والتعليم والسكن، مع رفض المشروعات الفرعونية غير المدروسة التي تخدم نخبة السلطة على حساب الشعب. هذا التصور نقيض تماماً لنموذج السيسي الذي أنفق مليارات على قصور وعواصم جديدة بينما يموت المصريون في مستشفيات متهالكة وينام أطفالهم في العشوائيات.

 

في الهوية والأمن القومي، يؤكد المجلس على حماية الهوية العربية والإسلامية لمصر، ويدعو إلى استقلالها من التبعية واستعادة دورها الإقليمي، مع اعتبار تحرير فلسطين جزءاً من واجبها. هذا الموقف يضع المجلس في مواجهة مباشرة مع نظام السيسي الذي حاصر غزة وشارك في تجويعها ومنع عنها السلاح بينما كانت تُباد.

 

وحدة المعارضة: مسارات مختلفة نحو هدف واحد

 

ما يميز اللحظة الراهنة هو الإجماع على أن التغيير الجذري قادم لا محالة، رغم اختلاف الرؤى حول أدواته. الثوريون والإسلاميون والمدنيون يشتركون في قناعة بأن التغيير لن يتحقق عبر انقلاب داخلي أو تدخل خارجي، بل عبر إرادة جماهيرية واعية تستعيد المبادرة كما حدث في يناير. البعض يرى التغيير عبر الوعي والصبر، وآخرون يرونه حشداً جماهيرياً، وثالث يراه إعلان مبادئ وبرامج سياسية واضحة.

 

رئيسة المجلس الثوري د. مها عزام تقود دعوة صريحة للتغيير الجذري، واضعةً مبادئ أساسية تستحضر روح يناير: وحدة الشعب، تمكين الشباب، بناء دولة عادلة. هذه المبادئ ليست نوستالجيا ثورية، بل استراتيجية عمل تدرك أن السيسي بنى نظامه على نقيض كل ما طالبت به يناير: الفرقة بدل الوحدة، سجن الشباب بدل تمكينهم، الظلم بدل العدالة.

 

يناير لم تُهزم، بل بقيت حاضرة كمرآة لفشل النظام. وستظل الكابوس الذي يلاحق السيسي حتى اللحظة التي يسقط فيها، لأنها تذكير دائم بأن الشعب قادر على كسر الاستبداد واستعادة المبادرة. والسؤال ليس "هل ستتكرر يناير؟"، بل "متى ستنفجر الثورة التي صنعها السيسي بيديه؟"