في حلقة جديدة من مسلسل بيع أصول الدولة والتفريط في ثرواتها الطبيعية مقابل حفنة من الدولارات، أقدمت "حكومة الانقلاب" على خطوة كارثية تمثلت في تسليم واحد من أهم موارد مصر الاستراتيجية إلى المستثمر الأجنبي. فقد وقعت شركة السويدي للتنمية الصناعية، وشركة CJN الصينية، عقداً لإنشاء مجمع للصناعات الكيميائية الفوسفاتية على مساحة شاسعة تبلغ 905 آلاف متر مربع في قلب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتحديداً في مدينة "سخنة 360".
هذه الصفقة، التي قُدرت استثماراتها بمليار دولار، تأتي لتعزز سيطرة الصين على خام الفوسفات المصري، وتضع "خزائن الأرض" تحت رحمة الأجندات الخارجية، بينما يروج النظام لهذه "الكارثة" على أنها إنجاز اقتصادي.
تفاصيل "صفقة البيع": 10 آلاف فرصة عمل أم "استعمار جديد"؟
تحت ذريعة جذب الاستثمار الأجنبي، فتحت حكومة السيسي أبواب المنطقة الصناعية بالسخنة على مصراعيها لشركة CJN الصينية، لتستحوذ على ما يقرب من مليون متر مربع من أراضي المصريين. المشروع المزمع تنفيذه يمتد لثلاث مراحل، ومن المقرر أن يُخصص الجزء الأكبر من إنتاجه للتصدير إلى أسواق جنوب آسيا والشرق الأوسط والأميركيتين.
هذا التوجه يكشف بوضوح أن مصر، في ظل هذا النظام، تحولت من دولة تمتلك ثرواتها وتديرها لصالح شعبها، إلى مجرد "منجم ومصنع خلفي" يخدم الأسواق العالمية، بينما يُحرم المواطن المصري من عوائد هذه الثروات التي تذهب أرباحها للشركات العابرة للقارات. أما الحديث عن توفير 10 آلاف فرصة عمل، فهو "مسكنات" معتادة لتمرير مثل هذه الصفقات المشبوهة التي تستنزف الموارد بأبخس الأثمان.
مراحل "الاستنزاف": من 2026 وحتى بطاريات الليثيوم
المخطط الزمني للمشروع يكشف عن نية مبيتة لرهن مستقبل الصناعة الكيميائية في مصر لسنوات طويلة قادمة:
- المرحلة الأولى (2026-2028): تبدأ باستنزاف الخام المصري لإنتاج حمض الفوسفوريك وأسمدة DAP وTSP بطاقة 300 ألف طن سنوياً لكل منهما. هنا يتم تحويل الخام المصري الثمين إلى منتجات أولية تخدم زراعة دول أخرى.
- المرحلة الثانية (2029-2031): الانتقال لإنتاج كيماويات عالية النقاء، وهي تقنيات كان الأولى أن توطنها الدولة بأيادٍ وخبرات وطنية خالصة بدلاً من استجداؤها من الخارج.
- المرحلة الثالثة (2032-2034): وهي الأخطر، حيث تمتد لتشمل صناعات مواد البطاريات الكهربائية (LFP)، مما يعني أن مصر ستكون مجرد "مورد خام" في سوق الطاقة النظيفة العالمي، بينما تحتفظ الصين بالتكنولوجيا والأرباح الكبرى.
اعتراف صيني: "أكبر توسع".. و"خزائن مصر" مفتوحة
في تصريح لا يخلو من دلالات الهيمنة، أكد "هوانغ تشيوهان"، الرئيس التنفيذي لشركة CJN مصر، أن هذا المشروع يمثل "أكبر توسع خارجي في تاريخ الشركة". وأشار بصراحة فجة إلى أن اختيار مصر جاء لسببين رئيسيين: موقعها اللوجستي، وامتلاكها "احتياطيات ضخمة من خام الفوسفات".
هذا الاعتراف يؤكد المؤكد؛ وهو أن النظام الحالي لا يدير الاقتصاد بمنطق "الشريك"، بل بمنطق "السمسار" الذي يعرض بضاعة بلاده لمن يدفع، مستغلاً بنية تحتية دفع المصريون ثمنها من دمائهم وأقواتهم لخدمة سلاسل التوريد العالمية بتكلفة "تنافسية"، أي "رخيصة" على حساب مقدرات الأجيال القادمة.
مركز بحثي أم "غطاء" للتغلغل؟
وفي محاولة لتجميل وجه الصفقة القبيح، تم الإعلان عن إنشاء مركز بحث وتطوير لتقنيات الفوسفات. لكن التجارب السابقة مع هذا النظام تؤكد أن مثل هذه المراكز غالباً ما تكون "حبراً على ورق" أو واجهات شكلية لا تساهم في نقل تكنولوجيا حقيقي، بل تظل المعرفة والتقنية "سرّاً" محتكراً للشركة الأم، بينما يكتفي الجانب المصري بدور "المتفرج" أو "العامل المنفذ".
ثروات مصر في مهب الريح
إن تسليم 905 آلاف متر مربع وما تحتويه من ثروات فوسفاتية لشركة أجنبية ليس مجرد مشروع استثماري، بل هو جريمة تفريط مكتملة الأركان. فبينما تعاني الزراعة المصرية من نقص الأسمدة وغلاء أسعارها، يُصدر النظام خاماتنا لتسميد أراضي الآخرين وتشغيل مصانعهم. إنها سياسة "الأرض المحروقة" التي يتبعها قائد الانقلاب، حيث تُباع الأصول، وتُرهن الموارد، ويتحول الوطن إلى "كانتين" كبير مفتوح لكل طامع، طالما أن العائد دولار يدخل خزينة السلطة ولا يرى المواطن منه إلا الفقر والديون.

