في مشهد يؤكد حالة "السيولة الدينية" التي تعيشها مصر، أصدرت محكمة القضاء الإداري حكماً بوقف قرار منع عرض فيلم "الملحد"، ليخرج مؤلفه إبراهيم عيسى محتفلاً بانتصار "حرية الإبداع" المزعومة على حساب ثوابت المجتمع.
هذا الفيلم، الذي كان قد أثار جدلاً واسعاً وتحفظات شرعية من الأزهر الشريف في مراحل سابقة، يعود اليوم ليرى النور بقرار قضائي، متجاوزاً الخطوط الحمراء الدينية، وفي وقت تبدو فيه المؤسسات الدينية الرسمية (خاصة دار الإفتاء) في أضعف حالاتها، أو بالأحرى في حالة "تماهٍ كامل" مع توجهات السلطة التي ترى في الدين "أداة" لا عقيدة.
إبراهيم عيسى: تاريخ من "العداء الممنهج" للإسلام
لا يمكن فصل "الملحد" عن سياق مؤلفه، إبراهيم عيسى، الذي كرس سنواته الأخيرة لمشروع "تشكيكي" يستهدف هدم الثوابت تحت ستار "التنوير".
سجل حافل بالطعن: اعتاد عيسى إثارة الشبهات حول كل ما هو مقدس، بدءاً من إنكاره لرحلة المعراج ووصفها بـ"الوهم"، مروراً بالتشكيك في عدالة الصحابة، وصولاً إلى السخرية من شعائر مثل الحجاب وصيام رمضان، بل والمطالبة بحذف خانة الديانة من البطاقة الشخصية.
أجندة لا إبداع: يرى النقاد والمعارضون أن عيسى لا يقدم "فناً" بل يقدم "أجندة" تهدف لزعزعة يقين المسلم العادي. ففيلم "الملحد" ليس مناقشة فكرية للإلحاد، بل هو محاولة لـ"أنسنة" الكفر وتصوير المتدينين كـ"وحوش" أو "دواعش"، وهو التكتيك المفضل لدى عيسى لضرب التدين الشعبي في مقتل.
دار الإفتاء: من "حراس العقيدة" إلى "محلل السلطة"
بينما يهاجم عيسى الثوابت، تقف دار الإفتاء موقف "المتفرج" أو حتى "المبارك" لتوجهات النظام.
تسييس الفتوى: تحولت الدار في السنوات الأخيرة إلى ذراع سياسي بامتياز، تصدر فتاوى "حسب الطلب" لتبرير سياسات النظام الاقتصادية والاجتماعية، بينما تغيب عن معارك الدفاع عن العقيدة حينما يتعلق الأمر بأصدقاء السلطة من "التنويريين" الجدد. الانتقادات تطال المفتي السابق والحالي بسبب تماهيهم الكامل مع رغبة السلطة في "تهميش" دور الأزهر وخلق كيان موازٍ أكثر طواعية.
الصمت المريب: في حين كان الأزهر (ممثلاً في مجمع البحوث الإسلامية) قد أبدى 11 ملاحظة شرعية جوهرية على سيناريو الفيلم سابقاً، منها غمزه في السنة النبوية وإنكار حجيتها، نجد دار الإفتاء تغرد خارج السرب، مكتفية ببيانات بروتوكولية لا تغني ولا تسمن من جوع أمام هذا "الغزو الثقافي".
الأزهر الشريف: القلعة الأخيرة تحت الحصار
رغم محاولات تحجيمه، يظل الأزهر العقبة الوحيدة أمام تمرير هذه الأجندة بالكامل.
رفض سابق وتمرير لاحق: تشير المصادر إلى أن الأزهر تحفظ سابقاً على مشاهد في الفيلم لأنها "تشوه صورة رجل الدين" وتظهر الإلحاد كخيار عقلاني في مواجهة "تطرف" الأب، لكن يبدو أن الضغوط السياسية والقانونية (حكم المحكمة) قد تجاوزت رأي المؤسسة الدينية، في سابقة خطيرة تفتح الباب أمام أي عمل فني ليسخر من العقيدة بحجة "حرية الرأي".
حرب التهميش: يتعرض الأزهر وشيخه لحملة تهميش ممنهجة لصالح تمكين شخصيات مثل إبراهيم عيسى، الذي يُفتح له الهواء لساعات يومياً ليبث سمومه، بينما يُحاصر علماء الأزهر الصادقين وتُحجب أصواتهم.
إلى أين تسير مصر؟
إن السماح بعرض "الملحد" ليس انتصاراً للفن، بل هو هزيمة جديدة للهوية الإسلامية لمصر. نحن أمام مشهد عبثي: كاتب يطعن في القرآن والسنة يُحتفى به كـ"مفكر"، ومؤسسة إفتاء منشغلة بتبرير قرارات الحكومة، وقضاء يمنح الشرعية للتطاول على المقدسات. مصر في عهد السيسي لا تسير نحو "تجديد الخطاب الديني" كما يزعمون، بل نحو "تجفيف المنابع" ومسخ هوية المجتمع، ليكون الإلحاد وجهة نظر، والإيمان تهمة، والدين مجرد فلكلور لا يحكم ولا ينهى.

