لأول مرة منذ بدء محاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك وآخرين في قضيتي قتل المتظاهرين والفساد المالي في 3 أغسطس 2011، استطاع قاضي المحاكمة، أن يخطف الأضواء من الجميع بمن فيهم المتهمين، وكذلك المحامين عن المدعين بالحق بالمدني ضد المتهمين ومحاميي المتهمين.
فمع دقات الساعة 10:18 بتوقيت القاهرة (8:18 تغ) بدأ القاضي محمود كامل الرشيدي أولى جلسات إعادة المحاكمة في القضية، التي تجرى في مقر أكاديمية الشرطة، شرق القاهرة، في توجيه كلمة للحضور، أجبرت الجميع على الاستماع لها والتوقف عن ابداء الاحتجاجات والشكاوي والطلبات.
المستشار الرشيدي - الذي جاء خلفا للمستشار مصطفى حسن عبد الله الذي تنحي عن نظر القضية في إبريل/ نيسان الماضي - قال لمحاميي المدعي المدني: "أنا أشعر بكم"، قبل أن يتوجه للحضور جميعا مضيفا: "أنتم أهل علم، وليس معنى أنني أتحدث لمحاميي المدعين بالحق بالمدني أن يغضب مني محامو المتهمين، أنا أتحدث للمصريين كلهم: نحن أبناء هذا الوطن، أكلنا على ترابه وشربنا من ماءه، وفي الـ40 سنة الماضية لم أغادر منصة القضاء داخل مصر وسأغادرها إلى قبري".
حديث الرشيدي دفع أحد المحامين بالمدعي المدني للهتاف"يحيا العدل"، لكن القاضي رد عليه بحسم قائلا: "أرجوك.. رجاءاً من يشكرني يملك أن يذمني.. وأنا لا أقبل هذا ولا ذاك.. عفواً لا أبغي التصفيق أو الاعتراض".
الرشيدي تابع ما بدأه، لكن بصبغة أكثر تديناً أكد على التزامه العدل قائلا: "عمري 61 عام الآن والرسول (محمد خاتم الأنبياء) يقول: عمر امتي (ينتهي) ما بين الـ 60 و ال70، وإن فُتح باب القبر سأنزل إليه، وسأجلس للحساب، ماذا سأقول؟، لن ينفعني أحد.. أتيت لكم بهذا الفكر".
وأوضح للحضور مصاعب واجهته منذ تسلم القضية قبل نحو 23 يوما، قائلاً: "هذه القضية قد لا تكون مرت على مصر من عام 1800، حيث لم تشهد قضية هذا العدد من المحامين عن المدعين بالحق المدني بهذا الكم وبهذا الشكل (دون أن يشير إلى عدد هؤلاء المحامين).. هل تعلموا أن أوراق القضية بعد المداولة امام المحكمة السابقة ومحكمة النقض وحتى صباح اليوم بلغت قرابة 55 الف ورقة؟".
عدد أوراق القضية التي أعلن عنها رئيس المحكمة، كانت انفردت به وكالة الأناضول للأنباء أمس في تصريحات خاصة، حيث قال إنه تسلم قضية مبارك منذ 23 يوما ويعكف على قراءتها لمدة 20 ساعة يوميا، حيث يترك أربع ساعات فقط للنوم، والباقي يستغرقه في قراءة ملف القضية التي يبلغ عدد أوراقها 55 ألف ورقة.
قاضي محاكمة مبارك بدء مستمعاً فقط للانتقادات الحادة من المحامين المدعين بالحق المدني والتي اكتفى بالرد عليها عبر ابتسامات هادئة.
فقد انتقد محمد الدماطى، وهو محامي مدعي بالحق المدنى أداء هيئة القضاء، وقال إن المحامين بالحق المدني يشعرون أنه "هناك عداوة من المحكمة والشرطة ضدهم، وأنه إذا كانت العداوة مستمرة وهناك توجه للمحكمة بذلك فإنه يطالب المحكمة بالتنحي"، وأنه لاحظوا تعنتا من قبل قوات الأمن في السماح بدخولهم إلى قاعة المحاكمة، بخلاف محاميي المتهمين الذين سمح لهم الأمن بالدخول بدون أي تأخير.
وردا على ذلك، طلب الرشيدي من محاميي المدعين الحق المدني كتابة شكوى بهذا الشان وإحالتها لوزير الداخلية، مكرراً أكثر من مرة " أنه المحكمة ليست لديها اتجاه في دخول او عدم دخول محامي المدعي بالحق المدني.. وأنا لم اعارض دخول محامي مدعي بالمدني.. لم احجب أحدا.. هذا خلل ارتكب من مسؤول غير مدرك وسيحاسب".
قاضي محاكمة مبارك الذي ظل متحدثا لأكثر من 15 دقيقة في المحكمة، خطفه الأضواء سواء داخل القاعة أو خارجها عبر تعليقات نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي فبينما أشاد بعضهم بالقاضي قائلين إنه يحاول إرضاء الجميع، انتقد آخرون القاضي معتبرين أنه كان أكثر ليونة من المستشار أحمد رفعت أول قاضي تولى المحاكمة التي بدأت في أغسطس الماضي، لدرجة دفعتهم للتساءل: كيف سيحكم القاضي بهذه الطريقة في قضية بمثل هذا الحجم؟
يشار إلى أن القاضي مصطفى حسن عبد الله تنحى في شهر إبريل الماضي عن نظر هذه القضية نفسها لاستشعاره "الحرج"؛ حيث سبق أن قضى ببراءة جميع المتهمين في قضية متعلقة بقتل متظاهري ثورة يناير والمعروفة إعلامية باسم "موقعة الجمل".
وسبق أن قضت محكمة جنايات القاهرة برئاسة القاضي أحمد رفعت بمعاقبة مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي بالسجن المشدد في القضية في 2 يونيوالماضي، فيما قضت ببراءة باقي المتهمين، قبل أن يستأنف مبارك والعادلي على الحكم وتعاد المحاكمة من جديد.
الأناضول

