نافذة مصر

"إبراهيم المصري" الصحفي الذي أصيب في جمعة "تطهير القضاء" بطلقة نارية، أطلقها عليه أحد ميلشيات البلاك بلوك، يكتب :

سبحان الذي أماتني مرتين ثم أحياني مرتين

الموتة الأولى:
حينما أتتني طلقة مباغتة  "شعور جديد"  لم أشعر بشيء حولي غير انقطاع أصوات و ضجيج و ارتطام بالأرض كجذع شجرة وقعت واقفة، عشت لحظات في عالم اللاوعي أتذكرها بتفاصيلها بكل وضوح، أحتضن أسفلت شارع رمسيس، لا يوجد تنفس، جوفي الساخن من أثر الرصاصة، الدماء المندفعة و التي بدأت الشعور بطعمها المكتوم في حلقي مروراً بفمي، هاهي أصابع يدي اليمنى الأربع تنطبق و سبابتها تنتصب واقفة يا الله و لساني يقولها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله مرتين، أيقنت بأني العبد الفقير المقصر في فروضه لله قد من علي بأعظم خاتمة لإنسان على الأرض، فرحت فرحاً شديداً بهذه المنة، لم يكتفي الله فقط بتذكيري بهذا بل بعث لي زوجاتي و أولادي أمامي لأسلم عليهم حزيناً على عدم قدرتي على استكمال الحياة معهم ليقتنص كل ولد من أولادي لحظاته المرحة معي.

الحياة الأولى:
سمعتهم ينادونني: إبراهيم، ده مصور، ده صحفي، فتحت عيني أجد من البشر من يحملونني من يداي و قدماي، رأيت صاحبي الذي ينطقني الشهادة، رأيت صديقي الذي انفطر حزناً على رؤيتي مصاباً، أنا حي إذن !! لم يمتني الله بعد، ربما بعد قليل؟ ربما.

الميتة الثانية:
بعد احتجاز قارب على الخمسة أيام استغرب فيها الأطباء على موضع الرصاصة و كيف أنها وقفت على بعد مللي أو 2 مللي من النخاع الشوكي بين الفقرتين الأولى و الثانية و هو المكان الذي كان سيتسبب في الوفاة المباشرة لو كانت اخترقت هذه الملليميترات، إذن هي حرب نفسية حتى موعد العمليةكانت كفيلة بالقضاء عليَّ، و خاصة إقرار المستشفى الذي وقعته و الذي أخلي مسئوليتهم حال إجراء العملية من أي مضاعافات ابتداءاً من العجز عن الكلام أو تلف بعض الأعصاب أوالعجز عن الحركة في بعض المناطق أو إصابتي بشلل نصفي أو رباعي أو الوفاة، لك أن تتخيل أنك مقبل على عملية جراحية مصيرك لن يخرج عن تلك الست ليس من بينهم حياة طبيعية لشاب في الثالثة و الثلاثين.

الحياة الثانية:
بعد الإفاقة وجدت نفسي حي مرة ثانية ياربي لك الحمد، أطرافي سليمة و لم تتأثر بفضل الله، إلا لساني الثقيل في الكلام بعض الشيء، وثقت في الله كثيراً و أحسنت به الظن، أليس الذي أوقف الرصاصة قبل الحبل الشوكي بمللي قادر بأن يجعل الرصاصة تخرج بلا خسائر بأياد بشرية؟

آمنت بالله .. وسبحان الذي أماتني مرتين ثم أحياني مرتين.

كان "المصري" قد وجه رسالة قبل اجراء العملية الجراحية لميلشيات البلاك بلوك، قائلا:

رسالة إلى بلاك بلوك .. صدقني .. كان ممكن اللي أخد الرصاصة يكون أخوك أو ابن عمك أو حد من قرايبك بتحبه أوي و كل ذنبه انه نزل اليوم ده سواء معاك أو مع القوى الإسلامية أو رايح شغله.

أنا مسامحك في حالة واحدة  إن تبت إلى الله عما فعلته و عزمت على ألا تعود إلى ما فعلته مرة أخرى، أما إذا أصررت على ذنبك و استمريت في سفك دماء أهلك فلن أسامحك و سأقتص منك أمام الواحد القهار الجبار المنتقم الذي يستجيب لدعاء المظلوم في الدنيا و يأتيه بحقه قبل الآخرة.