تتصاعد حدة الاضطرابات العميقة داخل مؤسسات الاحتلال الإسرائيلي إثر تفاقم ظاهرة التهرب من الخدمة العسكرية الإلزامية، حيث وصل عدد المتهربين إلى نحو 110 آلاف متهرب، وسط صراع سياسي حاد بين بنيامين نتنياهو واليهود المتشددين.

 

كما يهدد الحراك الاحتجاجي المتواصل بانهيار الائتلاف الحكومي القائم، في ظل تمسك المتظاهرين المتشددين برفض التجنيد القسري تحت شعار سنموت بدلاً من التجنيد، مما يعصف بجاهزية الجيش ويعمق الخلافات التشريعية حول إعفاء طلاب المعاهد التوراتية.

 

 

تصاعد أعداد المتهربين وأزمة التجنيد

 

وفي هذا الإطار، تشهد الأوساط الأمنية ارتباكاً واسعاً مع ارتفاع أعداد رافضي الخدمة العسكرية من الشبان الحريديم إلى نحو 110 آلاف متهرب، في ظل تصاعد التوترات الدينية والاجتماعية التي تضرب بنية جيش الاحتلال الإسرائيلي حالياً.

 

علاوة على ذلك، أفادت المعطيات الصادرة بأن نسبة اليهود الحريديم المتشددين دينياً تمثل نحو 80% من إجمالي قوائم المتهربين المسجلين، مما يعكس اتساع الهوة بين المجتمع الاستيطاني المتدين والمؤسسة العسكرية الرسمية بصورة غير مسبوقة.

 

وبحسب ما أوردته هيئة البث العامة كان 11، فإن أعداد المتهربين قفزت بشكل حاد بعدما كانت تبلغ نحو 75 ألفاً مطلع عام 2026، وذلك بالتزامن مع دخول عشرات الآلاف من أوامر التجنيد الإلزامية حيز التنفيذ.

 

من هذا المنطلق، تشير التقديرات الأمنية المتطابقة إلى توقع استمرار تصاعد تلك الأعداد بصورة قياسية خلال المرحلة المقبلة، نتيجة تعنت قيادات المدارس الدينية ورفضها التام لأي تسوية تجبر الطلاب على ارتداء الزي العسكري النظامي.

 

استناداً إلى ذلك، يواجه جيش الاحتلال معضلة استنزاف بشري حقيقية وخطيرة في صفوف قواته المقاتلة، في وقت يرفض فيه عشرات الآلاف من طلاب معاهد اليشيفا الانخراط بالمعارك بدعوى تفرغهم الكامل لدراسة التوراة والتعاليم اليهودية.

 

وبالتوازي مع ذلك، جاءت التطورات الدراماتيكية عقب انتهاء العمل بالترتيبات القانونية السابقة التي كانت تمنح المتدينين إعفاءات واسعة من أداء الخدمة الإلزامية، مما وضع المؤسسة التشريعية أمام مأزق صياغة قانون جديد ينظم هذا الملف.

 

فضلاً عن ذلك، تتمسك الأحزاب الحريدية داخل الائتلاف الحاكم بضرورة تمرير تشريع يمنح الشبان المتدينين إعفاءً شاملاً ودائماً، مهددة بالانسحاب الفوري وإسقاط الحكومة في حال إجبار طلاب المدارس التوراتية على التجنيد في المعسكرات المختلفة.

 

في المقابل، يطلق قادة المؤسسة العسكرية تحذيرات متكررة من التداعيات الوخيمة لنقص القوى البشرية وانهيار مبدأ المساواة في العبء، مشددين على الحاجة الملحة لآلاف الجنود لسد العجز المتراكم على الجبهات القتالية المشتعلة.

 

وقانونياً، شددت المحكمة العليا في قراراتها الصارمة على بطلان التمييز بين الإسرائيليين وإلزامية تطبيق قانون التجنيد على الجميع، مع فرض تدابير جزائية واقتصادية صارمة لمعاقبة المتهربين والتوقف عن تمويل معاهدهم المخالفة للقرارات القضائية.

 

ونتيجة لذلك، تحولت قضية التجنيد إلى فتيل أزمة وجودية تعصف بالشارع السياسي، حيث تجد حكومة اليمين نفسها محاصرة بين متطلبات الجيش العملياتية، ورغبة الحلفاء الدينيين في الحفاظ على امتيازاتهم التاريخية دون أي تنازل.

 

 

شلل أمني وعرقلة قرارات الاعتقال

 

وميدانياً، اصطدمت إجراءات الاستدعاء والملاحقة الأمنية بعراقيل معقدة حالت دون تنفيذ أوامر التوقيف، واقتصرت الملاحقات الفعلية على عمليات تفتيش محدودة للغاية طالت مسافرين مطلوبين أثناء محاولتهم المغادرة عبر صالات مطار بن غوريون الدولي.

 

وفي سياق متصل، بينت التقارير الرسمية أن الحملات العشوائية المنفذة أسفرت عن اعتقال 14 شاباً حريدياً و13 شخصاً من العلمانيين وغير الحريديم فقط، مما يؤكد الفشل الواضح في استيعاب أو ملاحقة الأعداد الكبيرة للمتهربين.

 

وعلى إثر ذلك، تفجرت خلافات عملياتية حادة بين قيادة الشرطة ورئاسة أركان جيش الاحتلال، بعد إلغاء حملة أمنية واسعة النطاق لإنفاذ مذكرات الضبط كان مخططاً الشروع في تنفيذها بصورة شاملة خلال الشهر الجاري.

 

حيث طلبت الشرطة تخصيص قوة إسناد تتألف من 300 جندي للمشاركة المباشرة في عمليات الاعتقال داخل الأحياء الدينية المغلقة، غير أن قيادة الجيش سارعت إلى رفض الطلب رسمياً، معتبرة أن هذه المهمة خارج اختصاصها.

 

وفي غضون ذلك، اندلعت مواجهات عنيفة في الشوارع احتجاجاً على قيام الشرطة العسكرية باعتقال 2 من طلاب المعاهد الفارين من التجنيد، وصدور أحكام قضائية بسجنهما لمدة 20 يوماً داخل معتقل عسكري تابع لقوات الاحتلال.

 

وبحسب ما أوردته صحيفة يديعوت أحرونوت، فقد تدفق مئات المحتجين من اليهود المتشددين بشكل مباغت وصادم صباح يوم الأحد، ليقطعوا حركة السير كلياً في مقطع حيوي من شارع 4 السريع الواقع وسط دولة الاحتلال.

 

إلى جانب ذلك، انطلق المتظاهرون الذين ينتمون إلى جماعة هرتزابنيكيم المتطرفة التابعة للحاخام تسفي فريدمان في ترديد هتافات غاضبة وتحدٍ معلن للدولة، مجددين إصرارهم القاطع على الموت بدلاً من الانخراط في الخدمة العسكرية.

 

ومع تصاعد التوتر، استخدمت عناصر شرطة الاحتلال قنابل الصوت وخراطيم المياه لتفريق جموع المحتجين الذين افترشوا الإسفلت وعطلوا حركة المرور لساعات، مما حول الشريان الحيوي إلى ساحة كر وفر واشتباكات بدنية عنيفة للغاية.

 

وتأسيساً على هذا المشهد، برهنت المواجهات الميدانية عن هشاشة التنسيق بين الأجهزة الأمنية في مواجهة التمرد الديني المتنامي، حيث باتت أجهزة الشرطة تخشى الانزلاق نحو صدام واسع ومفتوح مع قطاعات منظمة داخل المجتمع الحريدي الرافض للقانون.

 

بناءً على ذلك، أدى تعثر التدابير العقابية إلى تعميق الشعور بالإحباط في صفوف جنود الاحتلال النظاميين وقوات الاحتياط، الذين يرون في التساهل مع المتهربين تمييزاً غير عادل يهدد التماسك المعنوي للمؤسسة العسكرية برمتها.

 

 

تأجيل سحب الامتيازات والمأزق الحكومي

 

وسياسياً، تواصل حكومة بنيامين نتنياهو المأزومة سياسة المماطلة وتأجيل الحسم في ملف معاقبة المتهربين، متجاهلة الضغوط الشعبية المتزايدة الداعية إلى حرمان المتخلفين عن أداء الخدمة الإلزامية من الحوافز المالية والامتيازات المعيشية الواسعة.

 

وعلى صعيد متصل، امتنعت حكومة الاحتلال عن تطبيق قرار المحكمة العليا الصادر في شهر أبريل الماضي، والذي ألزم السلطات بدراسة إمكانية التراجع الفوري عن تقديم الدعم الحكومي وتوفير الخصومات المالية للمتهربين وعائلاتهم.

 

ومن هذا الاتجاه، تشمل هذه الامتيازات تخفيضات ضخمة على ضريبة الأملاك السكنية وتكاليف استخدام شبكات النقل العام، حيث تقدر قيمتها بمئات الشواقل شهرياً لكل فرد، مما يشكل عبئاً مالياً إضافياً على الخزينة العامة.

 

وبالإضافة إلى ذلك، كان يتوجب على وزيرة النقل ميري ريغيف بالتعاون مع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إجراء فحص مهني لوقف خصومات المواصلات، إلا أن الوزيرين تعمدا تجميد الإجراء تفادياً لإغضاب الحلفاء الحريديم.

 

وجدير بالذكر، أن المسؤولين الفنيين المختصين أكدوا غياب أي عوائق قانونية أو تقنية تمنع تعليق تلك التسهيلات الخدمية، مما يؤكد أن التأخير نابع بالكامل من حسابات حزبية ضيقة تستهدف بقاء الائتلاف الحاكم في السلطة.

 

ومن جهة أخرى، بررت الحكومة تقاعسها عن إلغاء حسومات ضريبة الأملاك بغياب وزير دائم للداخلية، رغم أن نتنياهو يمسك شخصياً بمهام الوزارة وصلاحياتها دون أن يتخذ أي قرار يلزم البلديات بإنهاء تلك الإعفاءات المالية.

 

وفي هذا السياق، أثار مدير عام وزارة الداخلية عقبات إدارية متعللاً بعدم امتلاكه التفويض القانوني اللازم للبت في القضية، في خطوة فسرها مراقبون بأنها تهرب صريح من تحمل المسؤولية أمام الانتقادات القضائية والشعبية المتلاحقة.

 

وتزامناً مع ذلك، تجزم الدوائر الاقتصادية بأن إلغاء هذه المزايا المالية غير المستحقة يمثل ورقة ضغط حقيقية وأداة تحفيز فعالة لإجبار آلاف الشبان المتشددين على الانخراط الإلزامي ضمن صفوف المؤسسة العسكرية لتفادي الأزمات المعيشية.

 

وعلى ضوء ذلك، يظل نتنياهو عاجزاً عن حسم النزاع خشية تصدع تحالفه البرلماني الهش، ليتحول قانون التجنيد إلى مأزق سياسي خانق ينذر بتفجير صراعات مجتمعية عميقة تضع تماسك دولة الاحتلال وجيشها على حافة الانهيار.