توصلت دراسة حديثة إلى نتائج واعدة بشأن مركب طبيعي ينتجه الجسم بمساعدة بكتيريا الأمعاء، إذ أظهرت التجارب قدرته على تحسين أداء القلب والحد من بعض التغيرات المرتبطة بأحد أنواع قصور القلب الشائعة، وهو ما قد يمهد لتطوير أساليب علاجية جديدة مستقبلا.

 

ويُعرف هذا المركب باسم «يوروليثين A» (Urolithin A)، ويتكون عندما تحلل بكتيريا الأمعاء مواد موجودة في الرمان وعدد من الأطعمة الأخرى، من بينها الجوز والتوت.

 

 

الرمان وعلاقته بصحة الخلايا

 

حظي الرمان باهتمام متزايد من الباحثين بسبب احتوائه على مركبات ترتبط بخصائص مضادة للأكسدة والالتهابات، كما تدرس الأبحاث دوره المحتمل في دعم صحة الخلايا ومقاومة بعض التغيرات المرتبطة بالتقدم في العمر.

 

ويُعد «يوروليثين A» من المركبات التي تجذب اهتمام العلماء في مجال الشيخوخة الصحية، نظرا إلى دوره المحتمل في مساعدة الخلايا على التخلص من الميتوكوندريا التالفة، وهي الأجزاء المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلايا.

 

ويُشار إلى هذه العملية باعتبارها أحد المسارات التي قد تسهم في الحفاظ على كفاءة الخلايا مع التقدم في العمر. لكن قدرة الجسم على إنتاج المركب تختلف من شخص إلى آخر، وتشير التقديرات الواردة في الدراسة إلى أن نحو 40% فقط من الأشخاص ينتجونه بكفاءة.

 

 

دراسة تأثير المركب على القلب

 

وانطلاقا من هذه الخصائص، بحث فريق من كلية كينغز كوليدج لندن في إمكانية الاستفادة من «يوروليثين A» لتحسين صحة القلب، مع التركيز على حالة تُعرف باسم فشل القلب مع الحفاظ على الكسر القذفي.

 

وفي هذه الحالة، يحتفظ القلب بقدرته على ضخ نسبة طبيعية نسبيا من الدم مع كل نبضة، لكنه يواجه صعوبة في الاسترخاء والامتلاء بالدم بصورة سليمة. ويؤدي ذلك إلى ظهور أعراض قد تشمل ضيق التنفس والإرهاق وتراجع القدرة على ممارسة الأنشطة اليومية.

 

ويُعد التعامل مع هذا النوع من فشل القلب تحديا طبيا، نظرا إلى ارتباطه بعدة عوامل، من بينها التقدم في العمر وارتفاع ضغط الدم والسكري، فضلا عن تعقيد آلياته واختلاف الحالة من مريض إلى آخر.

 

 

تحسن ملحوظ في وظائف القلب

 

وأظهرت التجارب التي أجراها الباحثون على نماذج حيوانية وأنسجة قلب بشرية مهندسة تحسنا في قدرة عضلة القلب على الاسترخاء بعد الانقباض، إلى جانب تراجع بعض التغيرات غير الطبيعية التي قد تؤثر في كفاءة القلب.

 

كما رصد الفريق انخفاضا في التليف، وهو تراكم الأنسجة الليفية داخل العضلة، فضلا عن الحد من التضخم الضار الذي قد يحدث نتيجة الإجهاد المستمر للقلب.

 

ووفقا لنتائج التجارب الحيوانية، وصلت نسبة التحسن في بعض مؤشرات أداء القلب إلى 80%، فيما أظهرت الأنسجة القلبية البشرية المهندسة استجابة إيجابية للمركب.

 

وتعزز هذه النتائج الاهتمام بإمكانية استخدام «يوروليثين A» في تطوير علاجات تستهدف الآليات المرتبطة بالمرض، بدلا من الاقتصار على التعامل مع الأعراض والعوامل الصحية المصاحبة له.

 

ومع ذلك، فإن النتائج التي تحققت في النماذج الحيوانية والأنسجة المهندسة لا تعني بالضرورة الوصول إلى التأثير نفسه لدى المرضى، إذ يتطلب الأمر إجراء دراسات سريرية لتحديد مدى الفاعلية والأمان والجرعات المناسبة.

 

 

بروتين قد يفسر التأثير العلاجي

 

وحدد الباحثون أحد المسارات المحتملة التي قد تفسر تأثير المركب، ويتمثل في تنشيط بروتين يُعرف باسم PKG1α، الذي يؤدي دورا في تنظيم استرخاء الأوعية الدموية وعضلة القلب.

 

ويشير هذا الاكتشاف إلى أن المركب قد يساعد على تحسين آلية ارتخاء عضلة القلب، وهي من المشكلات الرئيسية التي يعاني منها المصابون بفشل القلب مع الحفاظ على الكسر القذفي.

 

وتكمن أهمية هذه النتائج في أن العلاجات المتاحة لهذا النوع من قصور القلب لا تحقق الاستجابة نفسها لدى جميع المرضى، وهو ما يدفع الباحثين إلى البحث عن أهداف بيولوجية جديدة يمكن استغلالها في تطوير خيارات علاجية أكثر فاعلية.

 

وقال المؤلف الرئيسي للدراسة، الدكتور جوزيف بيرغوين، إن خيارات العلاج لا تزال محدودة مقارنة بالعبء المتزايد للمرض، بسبب تعقيد الحالة واختلاف خصائصها بين المرضى.

 

وتتطلب هذه الطبيعة المعقدة دراسة طرق جديدة للتعامل مع التغيرات التي تصيب عضلة القلب، خصوصا أن المشكلة الأساسية في هذا النوع من الفشل لا ترتبط دائما بضعف ضخ الدم، بل قد تكون مرتبطة أيضا بصعوبة امتلاء القلب به.

 

 

هل يكفي تناول الرمان؟

 

وعلى الرغم من النتائج المشجعة، لا توجد أدلة علمية كافية تثبت أن تناول الرمان وحده يمكن أن يعالج فشل القلب أو يمنع الإصابة به.

 

ويرى الباحثون أن النتائج قد تفتح المجال لدراسة الاستراتيجيات الغذائية التي تساعد الجسم على إنتاج «يوروليثين A»، باعتبارها أحد المسارات المحتملة لدعم صحة القلب، لكن هذا الاحتمال لا يزال بحاجة إلى مزيد من البحث.

كما أن وجود المركب في الجسم نتيجة تناول بعض الأطعمة لا يعني أن الكميات الناتجة منها تكفي لتحقيق التأثيرات التي ظهرت في التجارب، إذ قد تختلف الاستجابة بحسب طبيعة النظام الغذائي وتكوين بكتيريا الأمعاء والاختلافات الفردية بين الأشخاص.

 

المصدر: نيويورك بوست