تتصاعد حدة الأزمات المعيشية التي تحاصر نحو 10 ملايين مواطن من ذوي الإعاقة في مصر، وسط تجاهل حكومي متعمد لتطبيق القوانين الملزمة بتوفير فرص عمل تحفظ كرامتهم الإنسانية وتضمن استقلالهم الاقتصادي.

 

وبالتوازي مع ذلك، تتبدد الوعود الرسمية بتمكين هذه الفئة المهمشة داخل سوق العمل، لتتحول النصوص الدستورية والتشريعية في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي إلى مجرد حبر على ورق يفتقر لأدنى آليات التنفيذ الفعلي.

 

 

تبديد نسبة التوظيف القانونية للمعاقين

 

وفي هذا الصدد، طالبت النائبة بثينة أبو زيد، عضو لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، وزارة العمل ببيان مدى التزام المنشآت بتطبيق نسبة 5% المقررة قانونا لتوظيف ذوي الإعاقة، ومحاسبة الجهات المخالفة فورا.

 

وعلاوة على ذلك، تتزايد الشكاوى اليومية بشأن صعوبة حصول ذوي الاحتياجات الخاصة على فرص عمل مناسبة، نتيجة غياب الرقابة الفعلية وتراخي الأجهزة التنفيذية في فرض سلطة القانون على مؤسسات القطاعين العام والخاص.

 

ومن جهته، يؤكد الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن السياسات الاقتصادية الحالية تتجاهل الفئات الأكثر احتياجا، وتفرغ القوانين الاجتماعية من مضمونها الحقيقي عبر غياب الإرادة السياسية للتنفيذ.

 

وبالإضافة إلى ما سبق، تساءلت البرلمانية المصرية باستنكار شديد عن مصير حصة التوظيف الإلزامية، قائلة: أين ذهبت نسبة 5% لتوظيف الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة؟ وهل أصبحت حقوقهم الدستورية حبرا على ورق؟.

 

ومن ناحية أخرى، تكفل المادة 81 من الدستور المصري حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بشكل صريح، بينما يضرب الجهاز الإداري للدولة بهذه الضمانات عرض الحائط، مما يعمق من دائرة الإفقار والتهميش الاجتماعي.

 

وإلى جانب ذلك، ينظم القانون رقم 10 لسنة 2018 بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تخصيص نسبة للتوظيف وفقا لأحكامه، غير أن الواقع الفعلي يشهد تحايلا مستمرا من أصحاب الأعمال للهروب من هذا الاستحقاق.

 

وبناء على ذلك، تفتقر بيئة العمل في مصر إلى أبسط معايير المساواة وتكافؤ الفرص والدمج الحقيقي، حيث يواجه أصحاب القدرات الخاصة أبوابا موصدة تحرمهم من استثمار مؤهلاتهم العلمية والعملية في إعالة أسرهم.

 

وفي السياق ذاته، تتلقى اللجان البرلمانية عشرات الاستغاثات من أشخاص ذوي إعاقة يبحثون عن فرص عمل تساعدهم على الاندماج في المجتمع، دون أن تجد هذه الصرخات أي استجابة حقيقية من المسؤولين التنفيذيين.

 

ولهذا السبب، تستدعي هذه الأزمة المتفاقمة مراجعة شاملة لآليات تطبيق النسبة القانونية، وسط اتهامات مباشرة لوزارة العمل بالتقاعس عن أداء دورها الرقابي والتواطؤ الضمني مع المنشآت الممتنعة عن التعيين.

 

 

غياب الرقابة وتواطؤ وزارة العمل

 

وعلى صعيد متصل، تواجه وزارة العمل تساؤلات برلمانية حادة حول مدى توافر حصر دقيق للمنشآت الملتزمة وغير الملتزمة بنسبة 5%، في ظل تعتيم معلوماتي متعمد يخفي حجم الكارثة الحقيقية.

 

وفضلا عن ذلك، يكتنف الغموض حجم حملات التفتيش التي نفذتها الوزارة للتحقق من تطبيق القانون رقم 10 لسنة 2018، إلى جانب غياب أي بيانات رسمية توضح الإجراءات المتخذة بحق المنشآت المخالفة.

 

وفي هذا الإطار، يوضح الأستاذ إلهامي الميرغني، الباحث الاقتصادي والاجتماعي، أن امتناع وزارة العمل عن إعلان الأرقام الحقيقية للتوظيف يعكس عجزا هيكليا وتخليا واضحا من الدولة عن التزاماتها القانونية تجاه الفئات المهمشة.

 

ومن ثم، تتعالى المطالبات بضرورة إعلان الأعداد الفعلية للأشخاص ذوي الإعاقة الذين جرى توظيفهم خلال شهر أكتوبر 2026، وحصر الوظائف المتاحة لاستكمال النسبة المقررة بدلا من الاكتفاء بالبيانات الإعلامية المضللة.

 

وبالمثل، تتهرب الجهات الحكومية من توضيح آليات المتابعة والمحاسبة لضمان ترجمة النصوص القانونية إلى فرص عمل حقيقية، مما يترك ملايين المواطنين فريسة للبطالة الإجبارية والفقر المدقع في ظل الغلاء الفاحش.

 

ومع ذلك، لا تتوقف مسؤولية وزارة العمل عند مجرد الإعلان الصوري عن الوظائف، بل تمتد لتشمل متابعة جدية التعيين والتحقق من استمرار العامل في وظيفته دون تعسف أو فصل تعسفي.

 

وعلاوة على ما تقدم، تعاني المؤسسات المصرية من غياب بيئة عمل مناسبة تضمن حقوق المعاقين وتمكنهم من الإنتاج، حيث تفتقر المباني والمرافق للتجهيزات الهندسية اللازمة لاستيعابهم بشكل آمن وكريم.

 

ونتيجة لذلك، تتطلب معالجة ملف تشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة داخل وزارة العمل بيانات دقيقة ومعلنة، وخطة واضحة لاستكمال النسبة القانونية بدلا من السياسات العشوائية التي تدير بها الحكومة هذا الملف.

 

وبالإضافة إلى هذا، يستوجب الوضع الراهن تكثيف الرقابة الصارمة على المنشآت، والعمل الجاد على إزالة العقبات البيروقراطية التي تضعها اللوائح الحكومية لتحول دون حصولهم على فرص عمل لائقة.

 

 

عقاب جماعي وحصار اقتصادي ممنهج

 

ومن زاوية أخرى، لا يتحقق تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة بالتعاطف الموسمي أو المبادرات المؤقتة التي تروج لها الأذرع الإعلامية، وإنما بضمان الحقوق الدستورية وتوفير فرص عادلة ومستدامة للعمل والعيش الكريم.

 

وبالتالي، يبقى حق العمل استحقاقا دستوريا أصيلا، وتمثل نسبة 5% التزاما قانونيا واجب النفاذ يجب أن ينعكس على أرض الواقع فورا، لا أن يظل حبيس النصوص والأدراج الحكومية المغلقة.

 

وفي المقابل، تشير بيانات وزارة التضامن الاجتماعي المستندة إلى تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى أن عدد ذوي الإعاقة في مصر يقارب 10 ملايين مواطن يعانون التهميش.

 

وإلى جانب ذلك، يمثل هذا الرقم الضخم حوالي 10.6% من إجمالي التعداد السكاني في البلاد، وهو ما يتوافق مع المؤشرات العالمية لمنظمة الصحة العالمية التي تقدر نسب الإعاقة بين 10% إلى 15%.

 

ورغم ذلك، توضح الوزارة أن هذا الإحصاء تقريبي نظرا لاعتماد معايير تصنيف مرنة تبدأ من صعوبات الأداء الخفيفة وصولا إلى الإعاقات المطلقة الشديدة، للتنصل من تقديم الدعم الكامل لجميع المستحقين.

 

ولهذا، يبلغ عدد المستفيدين الفعليين من بطاقة الخدمات المتكاملة نحو 1.2 مليون مواطن فقط من بين هؤلاء الملايين، مما يعني حرمان نحو 8.8 مليون معاق من أبسط حقوقهم الخدمية والصحية.

 

وفي سياق متصل، يمثل قرار الحكومة بوقف استيراد سيارات المعاقين وتعطيل حقوق المستحقين عقابا جماعيا لذوي الإعاقة، ويكرس سياسة الجباية وتقليص النفقات على حساب الفئات الأكثر ضعفا في المجتمع.

 

ومن جانبه، يؤكد الأستاذ محمد عبد السلام، مدير مؤسسة حرية الفكر والتعبير، أن فرض شروط تعجيزية بقانون ذوي الإعاقة يحرم المعاقين من السيارات المجهزة طبيا ويمثل اعتداء صارخا على حقوقهم المكتسبة.

 

وختاما، تظل قضية ذوي الإعاقة في مصر شاهدا حيا على انهيار منظومة الحماية الاجتماعية، حيث يتحالف الفساد الإداري مع القرارات الاقتصادية القاسية لمحاصرة 10 ملايين مواطن في حقوقهم وأرزاقهم وتنقلاتهم.