تحاصر قفزات أسعار النفط العالمية الاقتصاد المصري في زاوية حرجة، بعدما اخترق خام برنت حاجز 110 دولارات للبرميل كأعلى مستوى في 5 أشهر، ليعري خطط الحكومة المعتمدة على استيراد الطاقة دون بدائل إنتاجية حقيقية تحمي السوق المحلي.
وتضاعف التوترات المرتبطة بإيران والحرب الروسية الأوكرانية من حدة الأزمة، إذ سجل برنت ذروته منذ مايو الماضي وتجاوز خام غرب تكساس 100 دولار لأول مرة منذ سبتمبر، مما يضع حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أمام فشل مالي جديد.
نزيف الدولار وتهاوي تقديرات الموازنة
وفي هذا السياق، تتسع الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك بصورة مقلقة، نتيجة التراجع المستمر في إنتاج الغاز الطبيعي، وهو ما يجبر السلطات على التوسع في الاستيراد لسد العجز المتفاقم وتأمين احتياجات السوق ومحطات الكهرباء المتعطشة للوقود.
وعلاوة على ذلك، قفزت فاتورة واردات الوقود بنسبة 30% خلال النصف الأول من عام 2026 لتصل إلى 12.5 مليار دولار، مما يعكس ارتهان القرار الاقتصادي لتقلبات الأسواق الخارجية وغياب الرؤية الاستراتيجية في إدارة ملف الطاقة.
ومن ناحية أخرى، تنهار الفرضيات المالية التي صاغتها وزارة المالية في الموازنة العامة، والتي حددت متوسط سعر برميل النفط عند 75 دولارا، في حين تتجاوز الأسعار الحالية هذا الرقم بأكثر من 35 دولارا للبرميل الواحد.
وبالإضافة إلى ما سبق، يؤدي هذا الفارق السعري الضخم إلى تفجير بند دعم الطاقة ومضاعفة تكلفة الاستيراد، ليدفع المواطن وحده ثمن التقديرات الحكومية القاصرة التي تجاهلت التحوط ضد الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة في المنطقة والعالم.
وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور علي عبد النبي، نائب رئيس هيئة المحطات النووية الأسبق وخبير الطاقة، أن بقاء النفط فوق 97 دولارا لفترة ممتدة سيدفع الحكومة حتما إلى رفع أسعار الوقود لتغطية عجزها المالي المزمن.
وفضلا عن ذلك، يوضح عبد النبي أن كل زيادة قدرها 1 دولار في سعر برميل النفط، تحمل الموازنة العامة أعباء إضافية تبلغ 3 مليارات جنيه سنويا، مما يستنزف موارد الدولة المنهكة ويزيد من حدة الأزمة الاقتصادية.
وإلى جانب ذلك، يشير خبير الطاقة إلى أن تراجع قيمة العملة المحلية يعمق الكارثة، حيث يؤدي ارتفاع سعر صرف الدولار بمقدار 1 جنيه فقط إلى زيادة فاتورة الطاقة بنحو 4 مليارات جنيه دفعة واحدة.
وبناء على هذه المعطيات، تتبدد وعود الاستقرار المالي التي تروج لها السلطة، لتتحول الأرقام الرسمية إلى أداة إدانة للسياسات النقدية والنفطية التي ربطت مصير الموازنة العامة بعوامل خارجية لا تملك الحكومة أي سيطرة عليها.
فشل إدارة الطاقة وتهديدات الغلاء
وعلى صعيد متصل، تتزامن قفزات النفط الخام مع ارتفاع عالمي في أسعار الديزل والبنزين وتراجع حاد في أسواق الأسهم، مما يحاصر الاقتصاد المصري بموجة تضخمية مستوردة تضاف إلى الأزمات الهيكلية الناتجة عن سوء الإدارة المحلية.
ولهذا السبب، تفشل مساعي الحكومة في احتواء تداعيات الأزمة، نظرا لاعتمادها المفرط على استيراد النفط الخام والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي، بعد سنوات من إهمال تطوير الحقول المحلية وتراكم مستحقات شركات الحفر والتنقيب الأجنبية.
ومن جهته، يحذر الدكتور ثروت راغب، أستاذ هندسة البترول والطاقة، من أن استمرار الحروب والتوترات الجيوسياسية سيجعل تجاوز النفط لمستوى 110 دولارات للبرميل أمرا واقعا وممتدا، وهو ما يضاعف كلفة الاستيراد ويفاقم الضغوط على الموازنة.
وبالتالي، يرى راغب أن هذه الضغوط المالية ستنعكس في النهاية على أسعار المنتجات البترولية محليا إذا طالت الأزمة، حيث تلجأ الحكومة دائما إلى جيب المواطن كحل وحيد وأسهل لتغطية فجوات التمويل المتسعة.
ومع ذلك، يحاول المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول الأسبق، التقليل من حدة الموقف، معتبرا أن الارتفاع الحالي مؤقت ومرتبط بالتوترات العسكرية، ومرجحا تثبيت الأسعار لحين اتضاح اتجاه الأسواق العالمية.
غير أن هذا الترجيح يصطدم بواقع التكاليف المركبة، إذ تتأثر أسعار المنتجات البترولية بعوامل التكرير والشحن البحري وليس بسعر خام برنت وحده، وهي تكاليف تشهد بدورها قفزات قياسية تلتهم أي وفورات مالية محتملة.
وهكذا، تجد السلطة نفسها عاجزة عن امتصاص الصدمات السعرية المتتالية، بعدما أهدرت الفرص السابقة لتأمين مخزون استراتيجي كاف أو بناء منظومة طاقة مستدامة تحمي الجبهة الداخلية من ارتدادات الصراعات الإقليمية والدولية المشتعلة.
ونتيجة لذلك، تتسع دائرة المعاناة المعيشية في ظل غياب أي شبكة حماية اجتماعية حقيقية، لتتحول كل أزمة عالمية في أسواق الطاقة إلى كابوس محلي يهدد بتعطيل القطاعات الإنتاجية ورفع تكلفة النقل والسلع الأساسية.
قرارات الجباية وتفجير التضخم المحلي
وفي سياق متصل، تحكم آلية التسعير المحلية قبضتها على الأسواق عبر عاملين أساسيين، أولهما مدة بقاء النفط عند مستوياته المرتفعة، وثانيهما مسار الدولار أمام الجنيه، وكلاهما يتحرك في اتجاه يعصف بالقدرة الشرائية للمصريين.
ومن هذا المنطلق، يؤكد الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، أن تحريك أسعار الوقود في مصر يظل قرارا سياسيا واقتصاديا بامتياز، ولا يرتبط بسعر النفط العالمي وحده، بل يخضع لحسابات السلطة في جباية الأموال.
وعلى الرغم من ادعاء الحكومة الموازنة بين تكلفة الاستيراد والآثار الاجتماعية، يوضح فؤاد أن اتساع فاتورة الطاقة خلال السنوات الأخيرة يدفع صانع القرار نحو تغليب الحلول المالية السريعة على حساب الاستقرار المعيشي للمواطنين.
وبالمثل، تبرز سارة سعادة، كبيرة محللي الاقتصاد الكلي بشركة سي آي كابيتال، خطورة الموقف عبر تحديد 3 مسارات رئيسية تضرب الاقتصاد جراء ارتفاع النفط، تتمثل في تضخم فاتورة الواردات، وتفاقم عجز الموازنة، واشتعال معدلات التضخم.
علاوة على ما تقدم، تشير سعادة إلى أن مصر تستورد نحو 1/3 احتياجاتها من الطاقة، مما يجعل الاقتصاد المحلي مكشوفا تماما وأكثر تأثرا بأي زيادة عالمية في أسعار النفط أو الغاز أو تكاليف الشحن والتأمين.
لذلك، يتأكد فشل السياسات الاقتصادية التي قادت البلاد إلى هذا الانكشاف الخطير، حيث تحولت مصر إلى مستورد صاف للطاقة يخضع لرحمة الأسواق الدولية، بعد أن كانت الحكومة تروج لتحقيق الاكتفاء الذاتي والتحول لمركز إقليمي.
ومن ثم، فإن أي اتجاه حكومي لرفع أسعار الوقود محليا سيمثل شرارة جديدة لإشعال الغلاء، وتعميق الركود في الأسواق، وتدمير ما تبقى من الطبقة المتوسطة التي تتحمل وحدها فاتورة الفشل الإداري والسياسي.
وفي نهاية المطاف، تبقى الأزمة الحالية شاهدا على غياب التخطيط الاقتصادي السليم في عهد قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، حيث تدار ملفات الطاقة والموازنة بردود أفعال مرتبكة تعجز عن مواجهة المتغيرات العالمية وتلقي بأعبائها على الشعب.

