ضياء الكحلوت
صحافي فلسطيني من غزّة، عمل في عدد من المؤسسات الإعلامية العربية والدولية
إذا سألت أحدًا في قطاع غزة عن أمنيته اليوم سيجيبك من دون تردد: العودة بالحياة إلى السادس من أكتوبر 2023. كثيرون في غزة يتمنون هذا الأمر، ربما الغالبية العظمى من السكان. فما جرى منذ السابع من أكتوبر وحتى اليوم لا تحيط به كل الكلمات ومفردات اللغة، فهو أكبر من قدرة البشر على التحمل، وأكثر صعوبة مما يراه البعيد، وما نقلته الشاشات على البث المباشر قليل من كثير كان يجري، ولا يزال جزء منه متواصلا من دون توقف.
توقفت الحرب بصيغتها الكبرى، من عمليات القتل الجماعي والتجويع والإغلاق الشامل، لكن حروبًا أخرى مستمرة ولم تتوقف، ولا يزال أكثر من ثلثي السكان في غزة يعيشون في الخيام البالية مع دخول فصل الشتاء وتكالب الظروف القاسية عليهم. وإسرائيل مستمرة في خرق اتفاق وقف إطلاق النار المبرم قبل عام في شرم الشيخ، ويترافق ذلك مع ممارسة كل أشكال القهر ضد أهالي غزة القابعين في أقل من ثلث أراضيهم الصغيرة أصلًا، والمتكدسين في المناطق الغربية الساحلية التي كانت غالبيتها أراض بوار لا تصلح للحياة الآدمية.
على مدار ثلاث سنوات، عاش أهالي غزة كل أصناف العذاب والجحيم، ولا يزالون في الدائرة ذاتها، وسط غياب تام للفصائل الفلسطينية، فحركة حماس التي تحكمهم باتت تكتفي ببيانات النفي والنعي والاستنكار، والسلطة الفلسطينية توقفت حتى عن النفي والنعي والاستنكار. ويتزامن ذلك مع حالة موت سريري للجنة إدارة غزة من التكنوقراط التي أُنشئت من أجل حكم القطاع، في ظل المنع الإسرائيلي لدخولها غزة، ومخاوف اللجنة من تعطيل داخلي لها وما تقوله أطراف مرتبطة باللجنة عن عراقيل من حكومة حماس وبقاياها، إضافة إلى غياب التمويل والتفويض الحقيقي لعملها.
لا يزال كثيرون في موقع المتفرج على المأساة، رغم أن بعضهم يستطيع أن يفعل شيئًا لغزة وأهلها، كالدول التي ترتبط بعلاقة طبيعية مع الاحتلال الإسرائيلي. اليوم، بعد ثلاث سنوات من الحرب والقتل الذي أدى لاستشهاد 74 ألفًا وإصابة أكثر من 178 ألفًا، والتدمير الممنهج الذي طاول ما يقارب 80% من غزة بمبانيها وبنيتها التحتية ومنشآتها الحيوية من مدارس ومشافي ومساجد، تتجمد كل مشاريع إخراج القطاع من السواد القاتم الذي يعيش فيه نحو مليوني إنسان، بانتظار ما ستسفر عنه الانتخابات الإسرائيلية في نهاية هذا الشهر. وحتى المتنافسون في هذه الانتخابات يهددون بعودة الحرب والتهجير والقتل الذي لم يتوقف وإن تراجعت حدته، فكلهم سواء في النظرة إلى غزة والتهديد باستكمال ما لم ينجز فيها.
غزة اليوم بحاجة إلى تدخلات سريعة قبل التدخلات الكبرى الموعودة، فالقطاعان الصحي والتعليمي يمكن ببعض التدخلات الجادة إخراجهما من قعر البئر إلى منتصفه على الأقل، لإراحة الناس وتخفيف الضغط عنهم وإشعارهم بالأمان النفسي وأن هناك أملا بغدٍ أفضل. وهذا الأمر لا يحتاج إلى كثير من تعقيدات السياسة، بل إلى قرار من القادرين والفاعلين، الذين يمكنهم إدخال المشافي الميدانية والأدوية والمعدات، وهو أمر متاح إن رغبوا، أما المدارس فما تبقى منها يمكن ترميمه وتشغيله بعد إيجاد أماكن بديلة لإيواء النازحين المقيمين داخل أسوارها، إلى جانب توفير الخيام المقاومة للأمطار والكرفانات الجاهزة لتوفير الحد الآدمي لساكني الخيام. هذا كله مرتبط بالرغبة لا بالقدرة، إن كان هناك راغب في الفعل يستطيع إرغام إسرائيل، أو على الأقل دفعها، من أجل إدخال هذه التحسينات والتغييرات.
مليونا فلسطيني في غزة لا يزالون في انتظار اليوم التالي للحرب، وينتظرون القادم ولديهم بعض الأمل في غد أقل سوءا من السنوات الثلاث الأخيرة، ولذلك فإن على الجميع من فصائل وسلطة وأطراف ذات علاقة ووسطاء وضامنين ودول عربية وإسلامية والعالم المتحضر والديمقراطي أن يتحملوا مسؤولياتهم وينجزوا للناس ما يخفف عنهم وطأة العذاب ويشعرهم بعد هذه المعاناة بأنهم ليسوا وحدهم.

