كشفت تصريحات عضو مجلس النواب والإعلامي مصطفى بكري عن تصعيد جديد ضد وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي عقب ظهوره في فعالية اقتصادية بالقاهرة وإطلالته التلفزيونية الأخيرة إذ اتهمه بالاعتداء على أموال المعاشات وضمها إلى الخزانة العامة واعتبر أن عودته إلى الواجهة تثير تساؤلات سياسية واسعة بشأن إعادة تقديم شخصيات ارتبطت بمرحلة سبقت أحداث يناير 2011 وما ترتب عليها من تداعيات.
أثار هذا التصعيد موجة جديدة من الجدل السياسي لأن عودة أحد أبرز مسؤولي النظام السابق جاءت بالتزامن مع استمرار الأزمة المعيشية وارتفاع تكلفة الحياة بينما لا تزال ملفات العدالة الاجتماعية والمعاشات والإصلاح الاقتصادي محل انتقاد واسع الأمر الذي أعاد إلى الواجهة سجالات قديمة بشأن المسؤولية السياسية عن السياسات الاقتصادية التي سبقت الاحتجاجات الشعبية وما تلاها من تحولات.
بكري يربط عودة غالي بملفات المعاشات
قال مصطفى بكري في منشور عبر منصة إكس إن ظهور يوسف بطرس غالي مجددًا داخل مصر يحمل دلالات سياسية تستحق التوقف عندها مؤكدا أن الوزير الأسبق كان من بين المسؤولين الذين قادت سياساتهم إلى أوضاع انتهت بأحداث كادت تؤدي بحسب وصفه إلى انهيار الدولة المصرية.
وأضاف بكري أن يوسف بطرس غالي هو المسؤول عن ضم أموال المعاشات إلى الخزانة العامة معتبرا أن هذه الخطوة تركت آثارها على أصحاب المعاشات حتى الوقت الحالي وأكد أن إعادة ظهوره إلى جانب شخصيات أخرى من المرحلة نفسها تفرض تساؤلات حول أسباب إعادتهم إلى المشهد العام.
وأوضح بكري أن انتقاداته لا تتعلق بالظهور الإعلامي وحده وإنما ترتبط بسجل سياسي واقتصادي كامل ظل محل خلاف واسع منذ سنوات مشيرا إلى أن المصريين ما زالوا يتحملون نتائج قرارات اتخذت خلال تلك الفترة وفق ما ورد في منشوره.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور جودة عبد الخالق وزير التموين الأسبق وأستاذ الاقتصاد أن ملف أموال التأمينات الاجتماعية ظل لسنوات من أكثر الملفات إثارة للجدل بسبب طريقة إدارة هذه الأموال والعلاقة المالية بين الخزانة العامة وصناديق التأمينات مؤكدا في أكثر من مناسبة أن معالجة هذا الملف احتاجت إلى إصلاحات قانونية ومالية طويلة لاستعادة الحقوق المالية بصورة واضحة.
غالي يبرئ الاقتصاد من ثورة يناير
في المقابل قال يوسف بطرس غالي خلال لقائه مع الإعلامية لميس الحديدي إنه لا يعتقد أن الاقتصاد كان السبب الرئيسي وراء أحداث يناير 2011 مؤكدا أنه كان مسؤولا عن الملف الاقتصادي فقط وأن أسباب ما جرى كانت مختلفة ولا ترتبط مباشرة بالحالة الاقتصادية في ذلك الوقت.
وتابع غالي أن الفريق الاقتصادي الذي عمل ضمنه ارتكب أخطاء بالفعل لكنه اعتبر أن أبرز هذه الأخطاء تمثل في عدم التحرك المبكر لإصلاح أسعار الطاقة ورفع الدعم بصورة تدريجية حتى لا تضطر الحكومات اللاحقة إلى تنفيذ زيادات كبيرة دفعة واحدة.
وأشار الوزير الأسبق إلى أن رفع أسعار الطاقة بنسبة 5% تدريجيا كان سيجنب البلاد زيادات وصلت لاحقا إلى نسب كبيرة مؤكدا أنه كان من أوائل المسؤولين الذين طالبوا بإصلاح منظومة الدعم الخاصة بالطاقة خلال وجوده في الحكومة.
وفي السياق نفسه قال غالي إن الرئيس الأسبق حسني مبارك رفض مقترحه الخاص برفع أسعار السولار مضيفا أن القيادة السياسية الحالية تمتلك الجرأة على اتخاذ القرارات الاقتصادية الصعبة عندما ترى أنها ضرورية وهو التصريح الذي أثار بدوره تفاعلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويؤكد أستاذ الاقتصاد الدكتور فخري الفقي الذي شغل مناصب دولية قبل رئاسته للجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب أن إصلاح دعم الطاقة كان مطروحا منذ سنوات طويلة وأن تأجيله أدى إلى تضخم فاتورة الدعم لكنه شدد في أكثر من مناسبة على أن نجاح أي إصلاح اقتصادي يرتبط بوجود حماية اجتماعية كافية للفئات الأكثر تضررا من تلك القرارات.
ملفات العدالة الاجتماعية والمساءلة السياسية
أعاد الجدل حول تصريحات بكري وظهور غالي ملف العدالة الاجتماعية إلى دائرة النقاش من جديد خاصة مع استمرار الانتقادات المتعلقة بمستوى المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم خلال السنوات الأخيرة.
كما وسعت تصريحات الوزير الأسبق مساحة النقاش بشأن تقييم المرحلة السابقة على يناير بعدما نفى وجود علاقة مباشرة بين الأوضاع الاقتصادية والاحتجاجات بينما يرى معارضون أن الضغوط المعيشية كانت أحد العوامل الأساسية التي غذت الغضب الشعبي إلى جانب المطالب السياسية.
ويقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور حسن نافعة إن قراءة أحداث يناير تقتضي النظر إلى تداخل الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية معا مؤكدا في تصريحات ومداخلات سابقة أن تجاهل تأثير العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة يؤدي إلى قراءة غير مكتملة للأسباب التي دفعت قطاعات واسعة من المواطنين إلى الاحتجاج.
في الوقت نفسه أعادت تصريحات بكري بشأن أموال المعاشات الاهتمام بملفات قديمة ظلت حاضرة في الجدل العام رغم مرور سنوات على مغادرة يوسف بطرس غالي منصبه إذ لا تزال هذه القضايا ترتبط بالنسبة لكثيرين بمطالب المحاسبة والشفافية وإعادة تقييم السياسات الاقتصادية التي سبقت التحولات الكبرى في يناير.
وفي النهاية أصبح ظهور يوسف بطرس غالي مناسبة جديدة لإحياء الخلافات القديمة حول المسؤولية السياسية عن إدارة الاقتصاد قبل 2011 بعدما جمع بين الدفاع عن خيارات الماضي والإشادة بالقرارات الاقتصادية الحالية في وقت تواجه فيه الحكومة انتقادات متصاعدة بسبب الأوضاع المعيشية واتساع الضغوط على المواطنين وهو ما أعاد ملف المحاسبة السياسية إلى صدارة النقاش العام بصورة أكثر حدة.

