قررت النيابة العامة تجديد حبس ثلاثة متهمين لمدة 15 يوما على خلفية اتهامات برشوة قيمتها 2.5 مليون جنيه لتخفيض تسعير 2700 فدان بالواحات ما أربك وزارة الزراعة المصرية وأوقف التعامل على الأرض.

 

تكشف الواقعة سياسيا أن منظومة تقنين الأراضي التي يفترض أن تحمي المال العام قد تتحول إلى باب للمساومة بينما يدفع المواطن ثمن الغلاء وتبقى مساحات شاسعة رهينة النفوذ والصفقات وغياب الشفافية.

 

رشوة تحت المراقبة

 

بحسب تفاصيل منشورة بدأت القضية خلال الأشهر الماضية عندما تقدم صاحب شركة تعمل في النباتات الطبية والعطرية بطلب لتقنين وضع اليد على مساحة 2700 فدان في منطقة الواحات الصحراوية المصرية.

 

وتشير المعلومات إلى أن أسعار التقنين المتداولة تتراوح بين 55 ألف جنيه و100 ألف جنيه للفدان الواحد وفقا للموقع وطبيعة الأرض والمعايير التي تعتمدها الجهات المختصة عند التقييم والتسعير الرسمي.

 

ووفقا لرواية القضية اتفق رجل الأعمال مع رئيس اللجنة وأحد أعضائها ووسيط على دفع 2.5 مليون جنيه مقابل احتساب الفدان بأقل قيمة ممكنة ضمن إجراءات التقنين الرسمية الخاضعة لوزارة الزراعة.

 

وتضيف الرواية أن مقدم الرشوة بلغ مليون جنيه على أن يسدد باقي المبلغ بعد إنهاء الإجراءات وتنفيذ الاتفاق المتعلق بخفض السعر الذي ستعتمده اللجنة للمساحة محل الطلب في الواحات الصحراوية.

 

لاحقا أنهت اللجنة أعمال المعاينة والتقييم ثم حددت سعر الفدان بنحو 95 ألف جنيه وهو رقم اقترب من الحد الأعلى المتداول ولم يحقق التخفيض الذي يقول المبلغ إنه اتفق عليه.

 

عندئذ طالب المتهمان بحسب ما ورد في التفاصيل بسداد بقية المبلغ المتفق عليه رغم اعتماد التسعير المرتفع الأمر الذي دفع رجل الأعمال إلى التواصل مع الجهات الرقابية والإبلاغ عن الواقعة.

 

إثر ذلك نسقت الأجهزة المختصة كمينا في المكان المحدد لتسليم بقية الأموال ثم ضبطت رئيس اللجنة وعضوها أثناء وجود مبلغ الرشوة بحوزتهما وفقا لما أوردته المعلومات المنشورة حتى الآن.

 

عقب الضبط اقتيد المتهمون إلى النيابة العامة التي باشرت التحقيق وواجهتهم بما جمعته الجهات الرقابية من تحريات وأدلة مرتبطة بالاتفاق المالي وإجراءات تسعير الأرض محل التقنين في منطقة الواحات الصحراوية.

 

تجديدات وحبس ممتد

 

بدأت قرارات الحبس في 1 يوليو حين أمرت النيابة بحبس المتهمين 4 أيام على ذمة التحقيق قبل أن تتوالى جلسات التجديد مع استمرار فحص الملابسات والأموال المضبوطة ومستندات اللجنة المختصة.

 

ثم جاء التجديد التالي في 3 يوليو ضمن المسار الإجرائي للقضية بينما ظل رئيس لجنة التقنين وعضوها والوسيط رهن الحبس في انتظار استكمال التحقيقات وسماع الأقوال الفنية والرقابية ذات الصلة.

 

وفي 16 يوليو قررت النيابة تجديد حبس الثلاثة لمدة 15 يوما أخرى وهو التجديد الثالث بعد قرار الحبس الأول وما تلاه من نظر متكرر لاستمرار الإجراء الاحترازي بحق جميع المتهمين.

 

وحتى الآن تظل الاتهامات محل تحقيق قضائي ولم يصدر حكم نهائي بالإدانة بما يفرض التمييز بين ما تنسبه جهات التحقيق إلى المتهمين وبين ثبوت المسؤولية بحكم قضائي بات في القضية.

 

ومع ذلك فإن خطورة الواقعة لا تتوقف عند قيمة الرشوة المزعومة بل تمتد إلى موقع المتهم الأول بوصفه رئيسا للجنة مسؤولة عن تقنين أراض صحراوية مرتفعة القيمة تابعة لوزارة الزراعة.

 

كذلك يثير وجود عضو آخر من اللجنة ضمن المتهمين أسئلة بشأن قوة الرقابة الداخلية وآليات منع تضارب المصالح ومراجعة قرارات التسعير قبل اعتمادها وترتيب آثار مالية على الدولة وطالبي التقنين.

 

في المقابل يظهر إبلاغ رجل الأعمال عن الواقعة بعد خلاف بشأن التسعير وبقية المبلغ جانبا بالغ التعقيد إذ لم يبدأ الكشف وفق الرواية إلا بعدما تعثر تنفيذ الاتفاق المفترض بين الأطراف.

 

ومن ثم لا يمكن تقديم المبلغ بوصفه طرفا خارج الشبهة تلقائيا لأن التفاصيل المنشورة تنسب إليه دفع مقدم مالي بالفعل وهو ما تظل النيابة وحدها معنية بتكييفه قانونيا وفق الأدلة المتاحة.

 

بالتوازي يفترض أن تتجه التحقيقات إلى مراجعة كل القرارات التي شاركت اللجنة في إصدارها لا الاكتفاء بواقعة واحدة لأن سلامة التسعير تمس حقوق الدولة وعدالة التعامل مع المنتفعين بصورة مباشرة.

 

الأرض والشركة والوزارة

 

أما الأرض فقد أوقفت وزارة الزراعة التعامل على مساحتها البالغة 2700 فدان بعد كشف القضية وهو إجراء يمنع استكمال التقنين مؤقتا إلى حين اتضاح الموقف القانوني والإداري كاملا أمام جهات التحقيق.

 

وفضلا عن ذلك تشير البيانات المنشورة إلى أن الشركة المعنية تعد من الأسماء البارزة في صناعة النباتات الطبية والعطرية والمنظفات والعطور وتملك علامة تجارية واسعة الانتشار محليا منذ عقود طويلة.

 

تاريخيا يعود تأسيس الشركة إلى عام 1957 بما يعني أن نشاطها يمتد قرابة 69 عاما وهو ما يمنح القضية وزنا اقتصاديا وإعلاميا يتجاوز حدود نزاع إداري عابر على تسعير أرض.

 

اقتصاديا سبق أن أعلن رئيس مجلس إدارة الشركة وصول المبيعات خلال أول 9 أشهر إلى 3 مليارات جنيه بزيادة قدرها 90 في المئة مقارنة بالفترة المقابلة من عام 2023 وفق تصريحاته.

 

ميدانيا قيل إن الشركة تملك نحو 3 آلاف فدان في الواحات إلى جانب أراض في الفيوم وبني سويف تستخدم لتوفير النباتات اللازمة لتصنيع منتجاتها المختلفة داخل السوق المصرية المحلية الواسعة.

 

بيد أن الحجم الاقتصادي للشركة لا ينبغي أن يمنح أي طرف معاملة استثنائية كما لا يبرر توجيه إدانة إعلامية قبل اكتمال التحقيق وظهور الأدلة أمام القضاء المختص بصورة علنية واضحة.

 

لهذا تتحمل وزارة الزراعة مسؤولية إعلان نتائج مراجعة إجراءات اللجنة وبيان ما إذا كانت الواقعة منفردة أم تكشف ثغرات أوسع في تقنين أراضي الدولة وتسعيرها ومراقبتها خلال السنوات الماضية كلها.

 

وفي المحصلة تضع القضية الحكومة أمام اختبار واضح فإما تحقيق شفاف يمتد إلى مسار الأرض والقرارات السابقة ويحمي المال العام أو احتواء محدود يترك منظومة التقنين عرضة للشبهات المتكررة والنفوذ.