في يوم 14 يونيو 2017 وافق برلمان الانقلاب على اتفاقية تيران وصنافير، متجاهلًا حكمًا نهائيًا أصدرته المحكمة الإدارية العليا في يناير 2017 ببطلان توقيع الحكومة على الاتفاقية.
كشف ذلك اليوم حجم الانقلاب على معنى السيادة داخل مؤسسات الدولة، لأن سلطة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي استخدمت البرلمان لإنفاذ قرار سبق أن أسقطه القضاء، بينما بقي شعار تيران وصنافير مصرية شاهدًا على خيانة سياسية موثقة.
برلمان يطعن الحكم ويمنح الغطاء للتنازل
بدأت القصة سياسيًا في أبريل 2016، عندما وقعت حكومة السيسي اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، وخرجت بعدها الرواية الرسمية لتقول إن جزيرتي تيران وصنافير سعوديتان رغم عقود من الإدارة المصرية.
بعد الإعلان، تحرك محامون وحقوقيون ومواطنون إلى القضاء، لأن الاتفاقية لم تمس خطًا بحريًا عاديًا، بل نقلت جزيرتين في موقع استراتيجي من المجال المصري إلى سلطة دولة أخرى.
ثم أصدرت محكمة القضاء الإداري في يونيو 2016 حكمًا ببطلان الاتفاقية، وأكد الحكم أن توقيع ممثل الحكومة يخضع لرقابة القضاء، لأن الأمر يتعلق بإقليم الدولة وليس بقرار إداري عابر.
لاحقًا، حاولت هيئة قضايا الدولة إنقاذ موقف الحكومة بالطعن أمام المحكمة الإدارية العليا، لكن المحكمة أصدرت حكمها النهائي في 16 يناير 2017، ورفضت طعن الحكومة وأكدت بطلان توقيع الاتفاقية.
على هذا الأساس، دخل البرلمان جلسة 14 يونيو 2017 وهو يعلم أن أمامه حكمًا نهائيًا قائمًا، لكنه اختار منح السلطة التنفيذية غطاء تشريعيًا يعبر فوق القضاء ويصادم ذاكرة الناس.
هنا تحولت الجلسة إلى لحظة كاشفة، لأن النواب لم يناقشوا وثائق السيادة باعتبارهم ممثلين عن الشعب، بل تصرفوا كذراع سياسية لقرار أمني سبق تحديد نتيجته خارج القاعة.
ومن ثم، لم تكن الموافقة البرلمانية مجرد تصويت على اتفاقية حدودية، بل كانت طعنًا عمليًا في حكم قضائي نهائي، واعتداءً على حق المصريين في معرفة مصير أرضهم.
كما ظهر البرلمان في تلك اللحظة كأداة لتبييض قرار السلطة، لأن الجلسات لم تمنح الاعتراضات وزنها، ولم تتعامل مع حكم الإدارية العليا باعتباره مانعًا دستوريًا وأخلاقيًا أمام التمرير.
وثائق الدفاع تكشف هشاشة رواية الحكومة
قاد المحامي الحقوقي خالد علي وفريق الدفاع معركة قضائية اعتمدت على خرائط ووثائق ومكاتبات رسمية، وقدمت هذه الوثائق رواية مضادة للبيان الحكومي الذي حاول تصوير الوجود المصري كترتيب مؤقت.
أوضح خالد علي في شهاداته أن الدفاع لم يبن القضية على هتاف سياسي، بل على مستندات تثبت مصرية الجزيرتين، بينها خرائط رسمية ومراجع تاريخية ووثائق تناولت وضع الجزيرتين داخل المجال المصري.
لذلك خدم موقف خالد علي محورًا حاسمًا في القضية، لأنه نقل النقاش من خانة المشاعر الوطنية إلى خانة الدليل القانوني، وأحرج الحكومة التي عجزت عن تقديم رواية مستقرة.
في المقابل، بدت رواية الحكومة متغيرة بين القول بالحماية المؤقتة والحديث عن الترسيم والعودة إلى التاريخ، وهو اضطراب كشف ضعف الموقف الرسمي أمام ملف يفترض أنه محسوم بوثائق الدولة.
ومع تراكم الوثائق، أصبح الحكم النهائي في يناير 2017 نتيجة طبيعية لمعركة قانونية طويلة، لأن المحكمة لم تجد أمامها مجرد اعتراض سياسي، بل وجدت سجلًا يطعن في أساس الاتفاقية.
غير أن سلطة السيسي تعاملت مع الحكم كعقبة سياسية لا كحقيقة قضائية، فانتقلت إلى البرلمان بعدما خسرت أمام مجلس الدولة، وفتحت مسارًا يهدف إلى تجاوز الحكم لا تنفيذه.
بالتوازي، حملت تصريحات محمد البرادعي وظيفة تحريرية مهمة داخل هذا الملف، لأنه حذر من تحوير القانون لصالح السياسة، وربط القضية بانهيار المشروعية الدستورية حين تخضع القواعد لإرادة الحكم.
ومن خلال هذا التحذير، اتسع معنى تيران وصنافير من نزاع حدودي إلى اختبار لدولة القانون، لأن السلطة التي تتجاهل حكمًا نهائيًا في الأرض تستطيع تجاهل أي ضمانة أخرى.
كذلك، لم يكن صمت المؤسسات الرقابية والقانونية مجرد تفصيل، بل كان جزءًا من شبكة تمرير أوسع، إذ جرى دفع الناس إلى قبول قرار خطير عبر خطاب رسمي مغلق.
القمع حمى الاتفاقية ولم يمح الذاكرة
رافقت قضية تيران وصنافير موجة ملاحقات أمنية ضد معارضين وحقوقيين ومحتجين، لأن السلطة أدركت مبكرًا أن الاعتراض الشعبي يهدد روايتها أكثر مما تهددها المرافعات داخل قاعة المحكمة.
تعرض المحامي الحقوقي مالك عدلي للحبس بعد مشاركته في مسار رفض الاتفاقية، وارتبط اسمه بالقضية لأنه كان بين الأصوات التي حولت الدفاع عن الأرض إلى حق عام لا ملف نخبة.
قال مالك عدلي إن موضوع تيران وصنافير انتهى بحكم مصرية الجزيرتين وبطلان توقيع ممثل الحكومة، وجاء موقفه ليخدم محور القمع الذي استهدف تحويل الحكم من نصر قانوني إلى خطر أمني.
بهذا المعنى، لم تحم الدولة الحدود، بل حمت الاتفاقية من الناس، واستخدمت الملاحقات لإرهاب الأصوات التي رفعت شعار تيران وصنافير مصرية في الشارع والمحكمة والإعلام البديل.
ثم جاء تصديق السيسي على الاتفاقية في يونيو 2017 ليكمل مسار التنازل، قبل أن تنشر الجريدة الرسمية تفاصيلها في أغسطس 2017، فتتحول الجلسة البرلمانية إلى محطة حاسمة في التنفيذ.
بعد ذلك، أصدرت المحكمة الدستورية العليا في مارس 2018 حكمًا بعدم الاعتداد بالأحكام المتناقضة في القضية، واستخدمت السلطة هذا التطور لإغلاق الملف رسميًا بعد إنفاذ الاتفاقية.
لكن هذا الإغلاق لم ينه أثر 14 يونيو في الذاكرة، لأن اليوم بقي مرتبطًا بصورة برلمان يمرر التنازل، وحكم نهائي يجري تجاوزه، وسلطة تعتبر الأرض تفويضًا شخصيًا.
كما أن نشر الاتفاقية لم يلغ السؤال الذي تركته القضية في الوعي العام، وهو كيف جرى تمرير قرار سيادي بهذا الحجم بينما كانت أعلى محكمة إدارية قد قالت كلمتها.
ومن زاوية توثيقية، تكشف الذكرى أن خيانة تيران وصنافير لم تكن لحظة واحدة، بل مسارًا بدأ بتوقيع حكومي، ومر بقمع سياسي، وانتهى بتصويت برلماني صدّق على تجاوز الحكم.
في المقابل، بقي الحكم النهائي وثيقة إدانة لا يستطيع التمرير اللاحق محوها، لأنه سجل أن الحكومة وقعت على اتفاقية باطلة، وأن القضاء الإداري وضع حدًا واضحًا أمام التنازل، لذلك تأتي ذكرى 14 يونيو كل عام كاتهام مباشر لسلطة السيسي وعساكرها، لأنها لا تذكر الناس بالاتفاقية فقط، بل تذكرهم بمن اختار التصويت ضد حكم مصرية الجزيرتين.
أما الخلاصة الصادمة، فهي أن البرلمان الذي يفترض أنه يحمي إرادة المصريين منح الغطاء لمن صادرها، وأن سلطة السيسي لم تربح شرعية، بل أضافت إلى سجلها يومًا موثقًا لبيع الأرض.

