ألقت أجهزة الأمن، اليوم الاثنين، القبض على رجل الأعمال يحيى الصعيدي، نفاذًا للحكم القضائي الصادر ضده ومرافقيه بالحبس لمدة عامين مع الشغل، في واحدة من القضايا التي تكشف امتداد شبكات النفوذ والسطوة، وتعيد إلى الواجهة ملف رجال صبري نخنوخ، بعد سقوطه في قضية الساحل الشمالي وما تبعها من تحركات أمنية وقضائية ضد شخصيات ارتبطت بدوائر القوة والبلطجة وفرض السيطرة.
ولم يكن القبض على الصعيدي مجرد تنفيذ لحكم جنائي عادي، بل جاء في توقيت بالغ الدلالة، بعدما تحولت البلاغات المقدمة ضده وضد آخرين إلى مسار قانوني متصاعد، شمل قرارات بتجميد الأرصدة والممتلكات، وإدراج اسمه على قوائم المنع من السفر وترقب الوصول، بما يعكس أن القضية لم تعد نزاعًا محدودًا على قطعة أرض، وإنما مواجهة أوسع مع نمط من النفوذ غير الرسمي الذي ظل يتحرك لسنوات تحت غطاء المال والحراسة والعلاقات.
من نخنوخ إلى الصعيدي.. شبكة نفوذ تتلقى الضربات
تكتسب قضية يحيى الصعيدي أهميتها من ارتباطها بالسياق الأوسع الذي بدأ مع القبض على صبري نخنوخ وابن شقيقه في واقعة فيلا الساحل الشمالي، وما تردد بعدها عن ثروات ضخمة ومئات العقارات وأسطول سيارات وترسانة أسلحة، لتفتح تلك الواقعة الباب أمام أسئلة أكبر حول طبيعة الشبكات التي صنعتها الثروة السريعة، والحراسة الخاصة، والعلاقات المتشابكة بين رجال أعمال وشخصيات صاحبة سوابق نفوذ ميداني.
وفي هذا السياق، يأتي سقوط الصعيدي كحلقة جديدة في سلسلة تفكيك رجال الدائرة المحيطة بنخنوخ، خاصة بعدما شملت البلاغات اسم صبري حنا نخنوخ، رئيس مجلس إدارة شركة فالكون للحراسات، على خلفية اتهامات بالتستر على مطلوبين وهاربين من تنفيذ أحكام قضائية. ورغم أن هذه الاتهامات ما زالت مرتبطة بما ورد في البلاغات والشكاوى، فإن مجرد ورودها في ملف قضائي بهذا الحجم يعكس اتساع دائرة الاشتباه حول منظومة كانت تستند إلى القوة والسمعة أكثر مما تستند إلى القانون.
وتشير المعطيات الواردة في البلاغات إلى أن القضية لم تتوقف عند شخص واحد، بل طالت عددًا من المتهمين، بينهم عصام حنفي محمود، وشهرته يحيى الصعيدي، وياسر صلاح محمود، وشهرته أبو عمار أو ياسر زقزوق، وأسامة عماد حنفي محمود، وشهرته أسامة الصعيدي، وتامر محمد عبد الحميد، وفارس ياسر صلاح محمود، نجل ياسر زقزوق، وشريف عصام حنفي، وشهرته شريف الصعيدي، الصادر ضدهم حكم مع الشغل والنفاذ بتاريخ 28 فبراير 2026.
أرض حدائق أكتوبر.. نزاع يتحول إلى قضية بلطجة وفرض سيطرة
بحسب ما كشفت عنه تحقيقات النيابة العامة في القضية رقم 7613 جنح أكتوبر، فإن يحيى الصعيدي وآخرين تورطوا في مخطط للاستيلاء بالقوة على قطعة أرض مملوكة لأحد المواطنين بمدينة حدائق أكتوبر، مستخدمين أعمال البلطجة وترهيب أصحاب الأرض الفعليين لفرض الأمر الواقع، وهي الوقائع التي دعمتها تحريات المباحث، وفق ما ورد في البلاغات والتحقيقات.
وتعود تفاصيل الواقعة إلى عدة بلاغات تقدم بها صلاح الخولي، المستشار القانوني للمجلس الدولي لحقوق الإنسان وعضو مجلس إدارة مجموعة شركات الخولي وفجر للغزل والنسيج، اتهم فيها الصعيدي وخمسة آخرين بالتعدي عليه ومحاولة الاستيلاء على قطعة الأرض محل النزاع. وحملت البلاغات أرقام 1691144 و1691103 و1691078 بنيابة أول وثاني الشيخ زايد بتاريخ 5 مايو 2026، إلى جانب البلاغ رقم 1624447 بنيابة أكتوبر الكلية.
وتكشف هذه الوقائع عن نمط بالغ الخطورة في إدارة النزاعات العقارية، حيث تتحول الأرض من محل خلاف قانوني يمكن حسمه بالمستندات والمحاكم، إلى ساحة لفرض النفوذ بالقوة، واستعراض الحراسة، وإرهاب الخصوم. وهنا لا تبدو القضية مجرد خصومة بين رجال أعمال، بل نموذجًا لما يحدث عندما يشعر أصحاب المال والنفوذ بأن بإمكانهم تجاوز القانون وتحويل الخلاف المدني إلى معركة سيطرة على الأرض والبشر.
تجميد أموال ومنع من السفر
بالتزامن مع تنفيذ حكم الحبس، أصدرت الجهات القضائية المختصة حزمة من الإجراءات لضمان تنفيذ العدالة، شملت تجميد الأرصدة البنكية والممتلكات الخاصة برجل الأعمال يحيى الصعيدي لحين تسوية موقفه القانوني بالكامل، وإدراج اسمه على قوائم المنع من السفر وترقب الوصول عبر المنافذ الجوية والبحرية والبرية، لمنع أي محاولة للهروب خارج البلاد.
وبحسب نص شكوى المستشار صلاح الخولي، فقد صدر بتاريخ 16 مايو 2026 حكم على المتهم عصام حنفي محمود، باعتبار المعارضة كأن لم تكن، لعدم حضور المتهم جلسة المعارضة، وذلك باعتبار أن الحكم الصادر ضده كان واجب النفاذ مع الشغل. كما أكد الخولي، في تصريحات خاصة، أنه تقدم بعريضة رقم 1715939 قيد الفحص بمكتب الممنوعين من السفر ضد يحيى الصعيدي، وبالعريضة رقم 1715911، إلى جانب شكاوى مقدمة إلى رئاسة الجمهورية تحت رقم 12357120.
وبين القبض على نخنوخ، ثم سقوط أحد أبرز الأسماء المرتبطة بدائرته، تبدو الرسالة واضحة: مرحلة الحماية غير الرسمية تتآكل، وشبكات القوة التي ظنت أنها أكبر من المساءلة بدأت تفقد حصانتها تباعًا. أما القضية في حدائق أكتوبر، فهي اختبار جديد لقدرة الدولة على تحويل الأحكام والبلاغات إلى واقع تنفيذي، يضع نهاية لفكرة أن المال والحراس والصلات يمكن أن تكون بديلًا عن القانون.

