تعتزم حكومة الانقلاب إصدار سندات ساموراي جديدة مقومة بالين الياباني، ضمن مساعٍ لتوفير تمويل خارجي ودعم الموازنة العامة، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال زيارة رسمية إلى اليابان، الخميس.
ويكشف الاتجاه الجديد أن السلطة لا تغادر دائرة الاقتراض، بل تغير أبوابها فقط، فبعد صندوق النقد والقروض الخليجية والسندات الدولية، تبحث الحكومة عن سيولة يابانية أقل تكلفة لتغطية أزمة موازنة صنعتها سياسات توسع الدين.
زيارة اليابان تفتح باب اقتراض جديد
قال وزير الخارجية بدر عبد العاطي، في تصريحات لوكالة رويترز، إن مباحثاته مع المسؤولين اليابانيين تناولت تعزيز الدعم المالي والنقدي لمصر، بما في ذلك دعم الموازنة وإصدار سندات الساموراي خلال الفترة المقبلة.
وبحسب عبد العاطي، فإن هذه الأدوات التمويلية ستكون مهمة للغاية لمصر، رغم أن الاقتصاد تضرر بشدة من تداعيات الحرب الإيرانية، بما حملته من ضغوط إضافية على الطاقة والتضخم والموارد الدولارية.
وتعني تصريحات الوزير أن الحكومة تتعامل مع الحرب الإقليمية باعتبارها مبررًا جديدًا لتوسيع الاقتراض، بينما تتجنب مواجهة أصل الأزمة المرتبط بتضخم خدمة الدين، وضعف الإيرادات، وتكرار الاعتماد على الأموال الساخنة.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث الاقتصادي تيموثي قلدس أن برامج التمويل السابقة لم تحقق أهدافها الأساسية، لأن الدولة لم تعالج سوء الإدارة الاقتصادية ولا هدر الموارد داخل منظومة الحكم والإنفاق العام.
وتخدم قراءة قلدس هذا المحور لأنها تضع سندات الساموراي داخل نمط أوسع، حيث تحصل الحكومة على تمويل جديد، ثم تعلن أنه خطوة إصلاحية، بينما تبقى أسباب الأزمة الاقتصادية خارج المساءلة الحقيقية.
لذلك لا يبدو إصدار السندات اليابانية مجرد تنويع فني لمصادر التمويل، بل محاولة لتدوير الأزمة نفسها بعملة جديدة، في وقت تحتاج فيه الموازنة إلى خفض إنفاق غير منتج لا إلى قروض إضافية.
ضمان إفريقي وتمويل مستدام على الورق
كان البنك الإفريقي للتنمية قد أعلن في ديسمبر الماضي تقديم ضمان جزئي لإصدار سندات ساموراي مقومة بالين الياباني بقيمة تعادل 500 مليون دولار، على أن يتم طرحها عبر اكتتاب خاص خلال العام الجاري.
وأوضح البنك أن حصيلة الإصدار ستوجه إلى مشروعات مدرجة ضمن إطار التمويل السيادي المستدام لمصر، وتشمل الطاقة المتجددة، والنقل النظيف، وكفاءة الطاقة، والتكيف مع تغير المناخ، وإدارة الموارد المائية.
كما تشمل قائمة الاستخدامات المعلنة دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والإسكان الميسر، والخدمات الأساسية مثل الصحة، وهي عناوين تنموية جذابة، لكنها لا تلغي حقيقة أن الأداة نفسها تظل دينًا جديدًا على الدولة.
وفي هذا الجانب، يرى الباحث يزيد صايغ أن المشكلة الأعمق في الاقتصاد المصري ترتبط باستمرار هيمنة الدولة والجيش على النشاط الاقتصادي، بما يضعف القطاع الخاص ويمنع تكوين قاعدة إنتاجية قادرة على توليد عملة صعبة.
وتدعم رؤية صايغ هذا المحور لأن التمويل المستدام لا ينجح بمجرد تغيير اسم الأداة أو جهة الضمان، بل يحتاج إلى اقتصاد شفاف يوجه الأموال إلى إنتاج حقيقي لا إلى مشروعات فوقية قليلة العائد.
ومن هنا، يصبح الضمان الإفريقي أداة لتسهيل الاقتراض لا شهادة براءة للسياسات الحكومية، لأن المستثمر الياباني يحصل على حماية ائتمانية، بينما يتحمل المصريون لاحقًا عبء السداد من الضرائب وخفض الإنفاق الاجتماعي.
وبينما تتحدث الحكومة عن مشروعات خضراء واجتماعية، تكشف أرقام الموازنة أن خدمة الدين تبتلع الجزء الأكبر من الموارد، ما يجعل أي اقتراض جديد جزءًا من سلسلة ممتدة لا من تحول اقتصادي حقيقي.
تاريخ الساموراي وعبء ما بعد صندوق النقد
دخلت مصر سوق سندات الساموراي لأول مرة في مارس 2022، عندما أصدرت وزارة المالية سندات بقيمة 60 مليار ين ياباني، بعائد بلغ 0.8%، في خطوة قدمتها الحكومة كاختراق للسوق اليابانية.
ثم نفذت الحكومة إصدارًا ثانيًا في نوفمبر 2023 بقيمة تعادل نحو 500 مليون دولار، وبعائد 1.5% لأجل 5 سنوات، مستفيدة من الضمانات الدولية لتقليل التكلفة مقارنة بإصدارات الدولار التقليدية.
وتعد سندات الساموراي أداة اقتراض طويلة الأجل مقومة بالين الياباني، وتطرح داخل السوق اليابانية أمام المستثمرين المحليين من جهات أجنبية تبحث عن تمويل بعملة اليابان وبشروط مختلفة عن أسواق الدولار.
ومع ذلك، فإن انخفاض العائد المعلن لا يعني غياب المخاطر، لأن مصر تقترض بعملة أجنبية جديدة، وتبقى مطالبة بالسداد من موارد دولارية أو ما يعادلها، في ظل ضغط مستمر على النقد الأجنبي.
وفي هذا الإطار، يحذر زياد داود، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في بلومبرغ إيكونوميكس، من أن امتيازات الكيانات العسكرية تطرد المستثمرين وتدفع مصر إلى سد فجواتها التمويلية بأموال ساخنة بدل التصدير والإنتاج.
وتوضح قراءة داود أن مشكلة مصر لا تكمن في سعر الفائدة وحده، بل في اقتصاد عاجز عن جذب استثمارات منتجة كافية، فيلجأ إلى أدوات تمويلية متتابعة لتسكين الأزمة بدل تغيير بنيتها.
ويرى خبراء أن تنويع التمويل عبر الساموراي قد يقلل الاعتماد المباشر على قروض المؤسسات الدولية مستقبلًا، خاصة مع اقتراب انتهاء برنامج مصر الحالي مع صندوق النقد الدولي خلال عام 2026.
لكن هذا التفاؤل يصطدم بتحذيرات صندوق النقد نفسه من استمرار هيمنة القطاع العام والكيانات العسكرية، وارتفاع مخاطر الضغط السيادي، وتوقع زيادة الدين الخارجي من 162.7 مليار دولار في 2024/2025 إلى 202 مليار دولار في 2029/2030.
وبناء على ذلك، لا تكفي توقعات انخفاض أسعار الفائدة عالميًا لإنقاذ الموازنة، لأن تكلفة الدين لا تقاس بسعر القسيمة فقط، بل بقدرة الاقتصاد على توليد إيرادات حقيقية وسداد الالتزامات دون تقشف جديد.
وتبدو سندات الساموراي، في النهاية، حلقة جديدة في سياسة الهروب إلى الأمام، حيث تبيع الحكومة الاقتراض بوصفه تنويعًا، وتقدم الضمانات الدولية كإنجاز، بينما يتسع سؤال السداد داخل موازنة مثقلة بالفوائد.
والخلاصة أن مصر لا تحتاج إلى باب ياباني جديد للدين بقدر ما تحتاج إلى وقف نزيف الاقتراض، ومراجعة المشروعات المكلفة، وكشف حساب علني عن الديون، وإخضاع الاقتصاد المسيطر عليه حكوميًا وعسكريًا لرقابة حقيقية.

