طالب المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا بالكشف الفوري عن مصير الأكاديمي الفلسطيني محمود طلال النجار، بعدما اعتقله جيش الاحتلال الإسرائيلي أثناء سفره من قطاع غزة باتجاه إيطاليا ضمن منحة أكاديمية، واقتاده إلى جهة مجهولة.
وحذر المركز من تحول معابر السفر والمنافذ إلى “مصايد اعتقال” تستهدف المدنيين وترهبهم، مؤكدًا أن تقديراته تشير إلى إخفاء جيش الاحتلال نحو 1500 شخص من سكان قطاع غزة منذ بدء العدوان، وسط غياب أي معلومات رسمية لعائلاتهم.
أكاديمي خرج إلى منحة فعاد إلى المجهول
بدأت قضية محمود النجار عندما حصل على تصريح سفر رسمي ضمن برنامج أكاديمي يقوده إلى جامعة إيطالية، بعد أشهر من الحرب التي فقد خلالها عائلته الصغيرة في قصف إسرائيلي استهدف منزلهم في مخيم جباليا عام 2024.
وبحسب المركز، أوقف الاحتلال النجار أثناء رحلة السفر، واحتجز معه عددًا من الطلاب، ثم أفرج عنهم لاحقًا بينما أبقى عليه وحده قيد الاعتقال، من دون إعلان مكان احتجازه أو إبلاغ عائلته بأي إجراء قانوني واضح.
وتمنح هذه التفاصيل القضية بعدًا أكثر خطورة، لأن النجار ليس حالة أمنية كما يحاول الاحتلال تصوير كل فلسطيني من غزة، بل أكاديمي مستقل كرس عمله للبحث العلمي ولا ينتمي لأي إطار سياسي أو عسكري.
كما أن كونه الناجي الوحيد من أسرته بعد مقتل زوجته وأطفاله يجعل اعتقاله امتدادًا مباشرًا للمأساة الشخصية التي عاشها خلال الحرب، بدل أن تكون المنحة الأكاديمية فرصة للنجاة واستكمال حياته العلمية خارج القطاع.
وتكشف الواقعة أن الفلسطيني في غزة لا يواجه خطر القصف والحصار فقط، بل يواجه خطر الاعتقال أثناء محاولة الخروج عبر مسار رسمي، حتى إذا امتلك تصريحًا وسافر لغرض أكاديمي معلن.
مصايد اعتقال على أبواب السفر
وصف المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا ما يحدث عند المعابر بأنه سياسة خطيرة لتحويل السفر إلى فخ، حيث يستغل الاحتلال حاجة المدنيين والطلاب والمرضى والأكاديميين للخروج من غزة من أجل الإيقاع بهم واحتجازهم.
ولا يقتصر التحذير على حالة النجار وحدها، لأن المركز يرى أن الاعتقال عند المعابر جزء من نمط أوسع يشمل ترهيب المدنيين وتنفيذ عمليات إخفاء قسري، بعيدًا عن الرقابة القانونية والحقوقية.
وتكمن خطورة هذا النمط في أنه يضرب آخر ما تبقى للمدنيين من مسارات نجاة، فالمعبر الذي يفترض أن يكون طريقًا للعلاج أو الدراسة أو لمّ الشمل، يتحول إلى نقطة تهديد وخوف وابتزاز.
وبحسب تقديرات المركز، أخفى جيش الاحتلال نحو 1500 شخص من سكان قطاع غزة منذ بدء العدوان، وهو رقم يعكس اتساع الظاهرة ويكشف أن عائلات كثيرة تعيش بين احتمال الاعتقال والقتل والاختفاء.
وتعني عبارة الإخفاء القسري أن الاحتلال لا يعلن مكان احتجاز الشخص ولا يتيح لعائلته أو لمحاميه معرفة مصيره، وهو ما يضع المعتقل خارج حماية القانون ويفتح الباب أمام التعذيب وسوء المعاملة.
وبذلك تتحول معابر السفر إلى أداة ضغط على مجتمع كامل، لأن المدني الذي يحاول الخروج من غزة لا يعرف ما إذا كان سيصل إلى وجهته أو سينضم إلى قائمة طويلة من المخفيين.
الإخفاء القسري كسلاح ضد المدنيين
تضع قضية محمود النجار المجتمع الدولي أمام اختبار واضح، لأن الحديث هنا لا يتعلق باعتقال معلن بإجراءات قانونية، بل بإخفاء شخص بعد توقيفه في نقطة سفر رسمية، مع ترك عائلته بلا معلومة مؤكدة.
ووفق المركز، يمثل استغلال حاجة المواطنين للسفر والتنقل من أجل اعتقالهم دون سند قانوني انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، خاصة الحق في الحرية والأمان الشخصي وحرية الحركة.
وتزداد خطورة الملف لأن الاحتلال لم يكتف باستهداف الفئات السياسية أو العسكرية كما يدعي، بل باتت النخب الأكاديمية والطلاب والمرضى عرضة للاعتقال عند نقاط الحركة، وهو ما يوسع دائرة الرعب داخل القطاع.
كما أن الإفراج عن الطلاب الذين احتُجزوا مع النجار والإبقاء عليه وحده يجعل الأسئلة أكثر إلحاحًا حول سبب احتجازه ومكانه وحالته الصحية والقانونية، خصوصًا مع غياب أي تبليغ رسمي لعائلته.
وتحتاج هذه الواقعة إلى ضغط حقوقي وإعلامي عاجل، يبدأ بكشف مكان احتجاز النجار، والسماح لمحاميه وعائلته بالتواصل معه، وإعلان الأساس القانوني لأي إجراء اتخذ ضده إن وجد أصلًا.
في النهاية، لا تمثل قضية النجار حادثة فردية منفصلة، بل تلخص وضعًا فلسطينيًا كاملًا في غزة، حيث يصبح السفر خطرًا، والتصريح لا يمنح حماية، والناجي من القصف قد يختفي عند المعبر.
ولهذا تبدو دعوة المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا للكشف عن مصيره أكثر من مطلب عائلي، لأنها مطالبة بكسر سياسة الصمت حول 1500 فلسطيني غائبين عن أسرهم وعن أي رقابة قانونية.

