معتز الفجيري
أكاديمي وحقوقي مصري. أستاذ مساعد ورئيس برنامج حقوق الإنسان في معهد الدوحة للدراسات العليا
أصدر قاض اتحادي أميركي في واشنطن قرارًا في 13 الشهر الماضي (مايو) بتجميد العقوبات الأميركية ضد الأكاديمية الإيطالية فرانشيسكا ألبانيزي، المقرّرة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. واعتبر القاضي أن العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب تنتهك الدستور الأميركي، كونها جاءت لمعاقبة السيدة على آرائها السياسية وتقاريرها حول غزّة. وبناء عليه، شطبت وزارة الخزانة اسمها مؤقتًا من قائمة العقوبات. إلا أن وزارة العدل طعنت على الحكم واعتبرته يمس بالأمن القومي، ما دفع محكمة الاستئناف الفدرالية في واشنطن لإصدار قرارًا لاحق بتعليق حكم القاضي السابق بانتظار البتّ النهائي في القضية، ما ترتب عليه إعادة تفعيل العقوبات على ألبانيزي. ويتجاوز الأمر التنفيذي الذي اصدرته إدارة ترامب في فبراير 2025 كل حدود القواعد واللياقة الدبلوماسية والقانون بفرض عقوبات على غير الأميركيين من قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومسؤوليها، والهيئات والأفراد المتعاونين مع المحكمة في تحقيقاتها الجارية بشأن جرائم الاحتلال الإسرائيلي. وتشمل العقوبات حظر السفر إلى الأراضي الأميركية، وتجميد الأصول، ومنع البنوك والشركات من التعامل مع المدرجين على قوائم هذه العقوبات.
لمنصب المقرّر الخاص المهني بفلسطين دور بالغ الأهمية في توثيق جرائم إسرائيل وكشفها، وحفظ ذاكرة الفلسطينيين. وقد تأسّس هذا المنصب في إطار منظومة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة عام 1993 بعد فضائح السلوك الإسرائيلي العدواني في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وبالتزامن مع مسار أوسلو للسلام، تعاقب على المنصب ثمانية قانونيين بارزين، واجه كثيرون منهم حملات تشويه منهجية من إسرائيل، خصوصًا الأميركي ريتشارد فولك، بين عامي 2008 و2014. وقد برز دور ألبانيزي، وعملها الدؤوب في الكشف عن طبيعة الإبادة الجماعية التي ترتكب منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزّة، ودعمها تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية وإجراءاتها ضد قيادات سياسية وعسكرية إسرائيلية.
لقد أصبح من المعتاد في مواجهة مسيرة النضال الحقوقي الفلسطيني منذ التسعينيات أن تعدل القوانين في بلدان غربية كثيرة، وتصك تصنيفات لجرائم جديدة، وتفرض العقوبات، وتشل المؤسّسات الدولية من أجل حماية دولة الاحتلال، وحصانة مسؤوليها. وقد صعدت ادارة ترامب من هذا النهج، ليس فقط عبر استهداف قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومدّعيها وخبراء الأمم المتحدة، بل أيضًا عبر فرض عقوبات مباشرة ضد ثلاثة من أقدم المنظمات الحقوقية الفلسطينية، بغرض تقويض مواردها، وعزلها دوليًا وإقليميًا: منظمة الحق، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومركز الميزان لحقوق الإنسان. وقد تكرّر اتجاه دول أوروبية كثيرة في العقد الأخير إلى فرض عقوبات جنائية على نشطاء حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات عليها، وقد تصدّت المحكمة الأوروبية لهذا، حيث قضت بالإجماع عام 2020 بأن إدانة السلطات الفرنسية النشطاء الذين دعوا إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية تشكل انتهاكات للمادة 10 المعنية بحرية الرأي والتعبير في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. ومع العدوان على غزّة وما واكبه من حراك شعبي في الغرب، صعدت بعض البلدان، مثل المانيا والمملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة، من التضييق على حركات دعم فلسطين، وقياداتها وانصارها. وأخيرًا، رفضت فرنسا منح تأشيرة دخول لمدير منظمة الحق، المحامي شعوان جبارين إلى أراضيها للمشاركة في أنشطة حقوقية بالتعاون مع لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، وهو القرار الذي ألغاه في ما بعد القضاء الفرنسي. كما واجه الناشط الفلسطيني رامي شعث محاولة من وزارة الداخلية الفرنسية للتضييق على إقامته، وترحيله إلى خارج فرنسا بسبب أنشطته في حركة مقاطعة إسرائيل، لكن القضاء الفرنسي أوقف الإجراء باعتباره مناهضًا لحرية الرأي والتعبير.
وقد عدّلت بلجيكا وبريطانيا وغيرهما من قوانينها التي كانت تكفل التقاضي ضد ارتكاب جرائم الحرب وحرائق حقوق الإنسان الجسيمة، في مواجهة تصاعد دور المحامين الفلسطينيين والأجانب في تعقب مسؤولي إسرائيل. وكانت الحكومة البريطانية عام 2009 قد ساعدت وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني قبل سنوات على القرار من مطار هيثرو قبيل اصدار القضاء البريطاني مذكرة توقيفها. ثم عدّل القانون لضمان عدم تكرار هذه السابقة. وكانت حركة ملاحقة رئيس الوزراء الأسبق أرئيل شارون تحقق تقدما في بلجيكا منذ 2001، إلى أن عدّل قانون الولاية القضائية العالمية في بلجيكا عام 2003، لوضع عراقيل إجرائية تصعّب من تعقب المسؤولين الأجانب امام هذه المحاكم. وفيما بدأت المحكمة الجنائية الدولية أخيرًا في نظر جرائم إسرائيل، يواجه مدّعيها العام عدة تدابير انتقامية ومحاولات تجسّس عليه وعلى فريقه من المحققين، لإرغامهم على أنهاء عملهم على هذا الملف، ومنع المحكمة من تحقيق اي تقدم في محاسبة المطلوبين من القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية.
رغم المكاسب النوعية التي حققتها حركة حقوق الإنسان الفلسطينية في العقدين الأخيرين، فإن الحرب الجارية في غزّة ولبنان، والتضييق على مسيرة النضال الحقوقي الفلسطيني، كشفا بوضوح هشاشة القواعد والمؤسسات الدولية الراعية لها، وارتباطها بموازين القوة السياسية والمالية للدول الكبرى. ولم يعد إصلاح النظام الدولي ترفًا سياسيًا، بل ضرورة ملحّة، غير أن هذا الإصلاح لن يتحقق من تلقاء نفسه، بل يحتاج توازنات دولية وإقليمية مختلفة، ونضالًا طويل النفس. وحتى يحين هذا، سيظل النضال الفلسطيني، بما يملكه من شرعية أخلاقية وقانونية، السند الأساسي للدفاع عن قضيته وتعزيز مكاسبه، مهما بدت هذه المكاسب محدودة أو معرّضة للانتكاس.

