تواصل أسعار اللحوم الحمراء في مصر الارتفاع بعد انتهاء شهر مايو،  بعدما أعلنت بوابة الأسعار المحلية والعالمية التابعة لمجلس الوزراء تسجيل متوسط 444.4 جنيهًا للكيلوغرام الواحد في يوم 25 مايو 2026 داخل القاهرة، مع زيادة سنوية بلغت 11.7%، في ظل اتساع الفجوة بين الدخل والأسعار وتراجع القدرة الشرائية للأسر.

 

وترتبط هذه الزيادة بتطورات اقتصادية وسياسية ممتدة، حيث تكشف البيانات الرسمية عن اختلالات في سوق الغذاء المصري وتراجع في الإنتاج المحلي للثروة الحيوانية، مع اعتماد متزايد على الاستيراد في بيئة تضخم مستمر وسياسات سعر صرف غير مستقرة.

 

انهيار القدرة الشرائية وتآكل الدخل

 

يرى الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أن أسعار الغذاء في مصر لم تعد تعكس فقط عوامل السوق، بل تعكس اختلالًا بنيويًا في توزيع الدخل، حيث تتآكل الأجور الحقيقية أمام موجات التضخم المتتالية، بما يضع الأسر محدودة الدخل في مواجهة مباشرة مع نقص البروتين الحيواني الأساسي.

 

وبحسب البيانات الرسمية، فإن الحد الأدنى للأجور البالغ 7000 جنيه لا يغطي سوى نحو 15.75 كيلوغرامًا من اللحوم شهريًا، ما يكشف فجوة حادة بين الدخل وتكاليف المعيشة الأساسية، ويعكس انتقال أزمة الغذاء إلى مستوى معيشي مباشر.

 

ويضيف الولي أن استمرار هذا النمط دون إعادة هيكلة للدخل يرسخ حالة انكماش استهلاكي تؤثر على قطاعات الغذاء بالكامل، مع تراجع الطلب الفعلي مقابل ارتفاع الأسعار.

 

تراجع الثروة الحيوانية وأزمة الأعلاف

 

في السياق ذاته، يشير أستاذ الموارد الزراعية نادر نور الدين إلى أن أزمة اللحوم لا تنفصل عن انهيار منظومة الإنتاج الحيواني، حيث تعتمد مصر بشكل واسع على استيراد الأعلاف ومكونات الإنتاج من الأسواق الخارجية، ما يجعل القطاع شديد الحساسية لتقلبات سعر الصرف.

 

وتظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع أعداد الثروة الحيوانية بنسبة 56.3% منذ 2014، لتصل إلى 8.1 مليون رأس في 2024 مقارنة بـ18.6 مليون سابقًا، مع انخفاض حاد في أعداد الماعز بنسبة 73.4% والأغنام بنسبة 61.4%.

 

ويرى نور الدين أن هذا الانكماش يعود إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج المحلي، وتراجع الدعم الفني للمربين، وغياب استراتيجية طويلة المدى لتقليل الاعتماد على الاستيراد، ما أدى إلى تقليص المعروض المحلي من اللحوم.

 

الاستيراد وسعر الصرف وأمن الغذاء

 

من جانبه، يوضح الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن استمرار الاعتماد على الاستيراد في ظل تقلبات سعر الصرف يجعل سوق اللحوم عرضة لصدمات خارجية متكررة، حيث ترتفع التكلفة النهائية نتيجة تغيرات الدولار وأسعار الشحن العالمية.

 

ويشير النحاس إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بالإنتاج المحلي، بل بغياب سياسة واضحة للأمن الغذائي، إذ يتم التعامل مع الغذاء كسلعة تجارية خاضعة للسوق العالمي بدل كونه عنصرًا استراتيجيًا مرتبطًا بالأمن القومي.

 

ويضيف أن انخفاض نصيب الفرد من اللحوم إلى نحو 8 كيلوغرامات سنويًا في 2024 مقارنة بـ13.6 كيلوغرام في 2015 يعكس تراجعًا هيكليًا في القدرة على الوصول إلى الغذاء الأساسي.

 

فجوة العرض والطلب واتجاه السوق

 

تؤكد البيانات الرسمية أن السوق المصري يشهد فجوة متزايدة بين العرض والطلب، نتيجة انخفاض الإنتاج المحلي وارتفاع الاعتماد على الاستيراد، ما يخلق ضغطًا مستمرًا على الأسعار ويجعلها أكثر ارتباطًا بالعوامل الخارجية بدل المحلية.

 

وتشير تقديرات الجهاز المركزي إلى أن الفترة بين 2014 و2018 شهدت تراجعًا تدريجيًا في أعداد الماشية، قبل أن يتحول الوضع إلى انخفاض حاد في 2019، دون تفسير رسمي واضح لأسباب هذا التراجع المفاجئ.

 

ويعتبر مراقبون أن غياب الشفافية في تفسير التحولات الإنتاجية ساهم في تعميق أزمة الثقة داخل سوق الغذاء، ما انعكس على سلوك الأسعار وقرارات الاستهلاك.

 

تداعيات اجتماعية وغذائية ممتدة

 

تنعكس هذه التطورات على مستوى الأمن الغذائي للأسر المصرية، حيث يؤدي ارتفاع أسعار اللحوم إلى تقليل استهلاك البروتين الحيواني، ما يخلق فجوة غذائية تؤثر على جودة التغذية العامة، خصوصًا في الطبقات محدودة الدخل.

 

ويشير خبراء إلى أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى تغيرات طويلة المدى في نمط الاستهلاك الغذائي، مع الاعتماد على بدائل أقل تكلفة ولكن ذات قيمة غذائية أقل، ما يفاقم التفاوت الاجتماعي في مستويات التغذية.

 

كما يرتبط ذلك بارتفاع تكاليف المعيشة الأخرى مثل النقل والطاقة، ما يضغط على ميزانيات الأسر ويقلل القدرة على التكيف مع السوق.

 

تكشف بيانات أسعار اللحوم في مصر عن أزمة مركبة تتداخل فيها عوامل الإنتاج المحلي مع الاستيراد والتضخم وسعر الصرف، في ظل تراجع واضح في الثروة الحيوانية وانكماش في نصيب الفرد من الغذاء الأساسي.

 

ويؤكد استمرار هذا المسار أن غياب سياسات طويلة المدى للإنتاج الغذائي قد يعمق الفجوة بين العرض والطلب، ويجعل أسعار الغذاء أكثر تقلبًا وتأثيرًا على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.