أعلنت الحكومة عن دفع مشروعات وتعديلات جديدة تخص قانون الأحوال الشخصية إلى مجلس النواب خلال أبريل ومايو 2026، بينها مشروع الأسرة للمسيحيين وتعديلات مرتبطة بالنفقة والزواج الثاني، بينما بقيت النصوص الكاملة محجوبة عن النقاش العام، فزادت الشكوك حول نية السلطة تمرير قانون يمس كل بيت دون شفافية.
وتضع هذه السرية الحكومة في موضع اتهام سياسي وتشريعي مباشر، لأن الأسرة المصرية لا تحتاج إلى مفاجآت قانونية ولا إلى غرامات جديدة باسم الحماية، بل تحتاج إلى قانون معلن يواجه أزمة النفقة والحضانة والزواج الثاني والطلاق المدني بوضوح، بدل تحويل الألم الاجتماعي إلى موسم تشريعات وجباية.
السرية تسبق القانون وتضع الأسرة خارج النقاش
بينما ينشغل الإقليم بالحرب وتداعياتها، أعادت السلطة في مصر فتح ملف قانون الأحوال الشخصية بطريقة غامضة، وكأن القضايا التي تمس الزواج والطلاق والنفقة والحضانة تخص الحكومة وحدها، لا ملايين الأسر التي ستعيش تحت أحكام هذه النصوص بعد إقرارها في البرلمان.
وجاءت واقعة سيدة الإسكندرية التي ألقت بنفسها من شقتها خلال بث مباشر لتفتح الباب أمام إعلان رسمي عن تعديلات جديدة، بعدما قيل إن طليقها امتنع عن دفع النفقة مستغلا وجوده في الخارج، وهو توقيت جعل الحكومة تبدو كأنها كانت تنتظر لحظة صادمة لتمرير مشروع جاهز.
ثم أصدرت النيابة العامة قرارا بإدراج الممتنعين عن سداد النفقات المحكوم بها نهائيا على قوائم المنع من السفر وترقب الوصول، بما يؤكد أن القانون القائم يتضمن أدوات عقابية وتنفيذية، وأن المشكلة ليست في غياب النص وحده، بل في التنفيذ والقدرة على الوصول إلى المتهربين.
ولهذا يصبح السؤال الجوهري عن الجديد الذي تضيفه التعديلات، إذا كان الامتناع عن النفقة مجرما أصلا، وإذا كان المنع من السفر متاحا، وإذا كانت ملاحقة المقيمين بالخارج عبر تسليم دولي ليست مسارا عمليا في أغلب الأحوال، فلماذا تحيط الحكومة المشروع بكل هذا الغموض.
وتدعم هذه الزاوية قراءة الباحثة منى عزة في مبادرة الإصلاح العربي، إذ ترى أن قوانين الأحوال الشخصية في مصر متفرقة بين نصوص ومراسيم متعددة، وأن غياب مدونة واضحة يعقد التقاضي ويجعل الإصلاح الحقيقي مرهونا بتوحيد الأحكام لا بتعديلات سياسية متقطعة.
قانون المسيحيين بين إنجاز معلن ونص محجوب
وانتقلت السرية نفسها إلى مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، الذي قالت الحكومة إن الكنائس توافقت عليه، ووافق مجلس الوزراء عليه، ثم ظل النص الكامل بعيدا عن المواطنين المخاطبين به، رغم أن الاتفاق بين الطوائف كان يفترض أن يكون مناسبة لإعلان واسع لا ملفا مغلقا.
وتأتي حساسية هذا القانون من أزمة تاريخية داخل الكنيسة الأرثوذكسية، التي رفضت لائحة 1938 الصادرة عن المجلس الملي، لأن البابا شنودة اعتبرها مخالفة للشريعة المسيحية، فصدرت أحكام قضائية بالتطليق لم تعترف بها الكنيسة، وبقي كثيرون عاجزين عن الزواج الثاني رغم أحكام القضاء.
وخلال سنوات طويلة، اصطدمت الكنائس الثلاث بخلافات جوهرية حول أسباب الطلاق، إذ كانت الأرثوذكسية تقصره على علة الزنا، بينما تمسكت الكنيسة الإنجيلية بأسباب أوسع، ورفضت الكاثوليكية الطلاق من الأصل، وهو خلاف جعل أي قانون موحد إنجازا يستحق الشفافية لا الكتمان.
وبعد أحداث كنيسة القديسين وما تبعها من غضب كنسي في نهاية عهد مبارك، حاول النظام تشكيل لجنة من الكنائس لإنجاز قانون موحد، لكن الخلافات أطاحت بالمحاولة، ثم جاءت ثورة يناير وأنهت المسار، قبل أن تعود الحكومة الحالية وتعلن التوافق دون أن تفتح النص للناس.
ويحذر الباحث إسحق إبراهيم، مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، من منح الكنائس سلطة مطلقة وحصرية في تصاريح الزواج الثاني، لأن المواطن المسيحي سيصبح بلا مسار اختياري إذا رفضت الكنيسة التصريح، وهو اعتراض يضع الدولة أمام مسؤوليتها لا وراء الطوائف.
وتكشف الملامح المنشورة أن المشروع يتناول بطلان الزواج وتغيير الملة والزواج الثاني والميراث والحضانة والرؤية الإلكترونية، كما يمنح من حصل على حكم بالطلاق حق طلب الزواج مرة أخرى، لكن القرار النهائي يبقى للكنيسة وفق عقيدتها، وهو ما يجعل غياب النقاش العام أكثر خطورة.
الغرامات تكشف فلسفة الجباية لا حماية الحقوق
وتتسع الشكوك مع مقترحات تشريعية متزامنة حول الزواج الثاني والغرامات، بعدما تقدم حزب العدل بمشروع يلزم الزوج بالإقرار بوضعه الاجتماعي عند توثيق الزواج، ويطرح عقوبة حبس 3 أشهر وغرامة تصل إلى 30 ألف جنيه عند الامتناع عن إخطار الزوجة بالزواج الثاني.
غير أن القانون الحالي لا يترك فراغا في هذه المسألة، لأن المادة 11 مكررا من تعديلات 1985 تلزم الزوج ببيان الزوجة أو الزوجات اللاتي في عصمته ومحال إقامتهن، وتلزم الموثق بإخطارهن بالزواج الجديد بخطاب مسجل مصحوب بعلم الوصول.
كما يمنح القانون الزوجة التي تزوج عليها زوجها حق طلب الطلاق إذا لحقها ضرر مادي أو معنوي يتعذر معه دوام العشرة، ويسقط هذا الحق بعد سنة من تاريخ العلم إلا إذا تجدد الزواج، بما يعني أن الترويج لفراغ تشريعي في الإخطار غير دقيق.
وتعود الذاكرة القانونية هنا إلى ما عرف بقانون جيهان السادات عام 1979، الذي صدر بقرار رئاسي وأوجب إقرار الحالة الاجتماعية وإخطار الزوجة، قبل أن تقضي المحكمة الدستورية العليا في مايو 1985 بعدم دستورية القرار بقانون رقم 44 لسنة 1979 لأسباب تتعلق بسلطة إصداره.
وبعد شهرين فقط، صدرت تعديلات يوليو 1985 بالقانون رقم 100، فأعادت تنظيم الإخطار والضرر والنفقة والمتعة والحضانة، وهو تسلسل يثبت أن الدولة تعرف المسار التشريعي منذ عقود، وأن الأزمة الحالية لا تبرر سرية جديدة ولا غرامات تقدم نفسها كحل سحري.
ويرى الكاتب والحقوقي سليم عزوز أن ما يجري لا يكشف فراغا تشريعيا بقدر ما يكشف اتجاها لتحصيل المال عبر الغرامات، لأن الضرر يقع على الزوجة أو الوالدين أو من انتهكت خصوصيتها، بينما تتجه العقوبة المالية إلى الخزانة العامة لا إلى صاحب الضرر.
ويتكرر هذا المنطق في مقترحات أخرى، فقد قدمت النائبة مي كرم جبر مشروعا لاستخراج بطاقة رقم قومي للطفل من سن 5 سنوات، وقدمت النائبة آية عبد الرحمن مشروعا يرفع غرامات الاعتداء والتنمر على الوالدين إلى أرقام قد تصل إلى مليون جنيه.
كذلك قدمت النائبة إنجي أنور تعديلات على قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لتغليظ عقوبات انتهاك الخصوصية والرسائل الإلكترونية الكثيفة والتزييف بالذكاء الاصطناعي، مع غرامات كبيرة تصل في بعض الحالات إلى ملايين الجنيهات، بما يؤكد موجة تشريعية تستخدم الأسرة والخصوصية كمداخل مالية.
ولا تعني خطورة الاعتداء على الوالدين أو انتهاك الخصوصية أو إخفاء الزواج الثاني أن تتحول الغرامة إلى أصل التشريع، لأن فلسفة الردع يجب أن تذهب إلى حماية المجني عليه وتعويضه وتسريع العدالة، لا إلى تحويل كل علاقة اجتماعية متوترة إلى مورد مالي للسلطة.
وفي النهاية، لا تحتاج مصر إلى قانون أحوال شخصية يولد في السر ثم يخرج محملا بالغرامات، بل تحتاج إلى نص كامل معلن، وجلسات استماع حقيقية، وضمانات تنفيذ للنفقة، ومسارات عادلة للمسيحيين والمسلمين، لأن الحكومة التي تخفي القانون قبل إقراره لا تطمئن الأسرة بل تطلب منها دفع الثمن مرتين.

